الثورة الزراعية باليمن.. قراءة في مفاهيم الأمن الغذائي

الثورة الزراعية باليمن.. قراءة في مفاهيم الأمن الغذائي

لا يختلف اثنان على ان الأمن الغذائي في أي بلد في العالم يعتبر أساس تحقيق الأمان، وان الزراعة تشكل أحد الأركان الأساسية في توفير الغذاء

وبالوقوف على عنصر الأمن الغذائي في اليمن- سنجد أن اليمنيين شأنهم شأن غيرهم في الكثير من البلدان النامية ليسوا بعيدين عن المعوقات الطبيعية والاقتصادية والتكنولوجية والتي من شأنها تحقيق الإنتاج الزراعي والصناعي والتعاونيات الزراعية والحد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي.
وقد تناولت العديد من الأبحاث العلمية دراسة مقومات تحقيق الأمن الغذائي في اليمن، ولست هنا بصدد الحديث عن مشكلة الغذاء في اليمن والمقومات المتمثلة في التغلب على المخاطر التي تواجه القطاع الزراعي في اليمن.. فهذا بحاجه إلى دراسة مستفيضة وتخصص أكاديمي بالأمن الغذائي.
وما يمكن قوله من وحي الكثير من الشواهد البحثية الدالة حول مشكلة انعدام الغذاء في اليمن- الذي يعد من القضايا التي تفاقمت بصورة غير مسبوقة في اليمن.. ووفقاً لتقرير حديث صادر عن وزارة التخطيط بحكومة (صنعاء): (فإن نتائج تحليل التصنيف المرحلي المتكامل lpc إلى ارتفاع عدد السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي (المرحلة 3وما فوق) من 12,9مليون شخص الـ13,5 مليون شخص في نتائج lpc ديسمبر 2020م وارتفعت نسبتها من 32,6% عام 2015م إلى أعلى مستوى لها عام 2017م حيث بلغت 37,4% ثم تراجعت إلى 30,9% عام 2020م ومن المتوقع أن تصل إلى 35% خلال يناير/ يونيو2021م من إجمالي عدد السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي في المراحل المختلفة في اليمن.. وبحسب مصادر بحثية فإن (الإنتاج الغذائي في اليمن من حيث المستوى الإقليمي أو الدولي- كان في فترة ما- يزيد عن حاجة السكان حتى منتصف القرن العشرين، واستمر يزيد عن هذه الحاجة حتى قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، والأحداث التي تلتها وبدأ يتحقق عجز بسيط ثم تحول الأمر إلى أزمة واتسع حجم الفجوة الغذائية مع انخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي لمعظم السلع والمنتجات الزراعية وزادت معها الواردات بدرجة كبيرة وانخفضت الصادرات وترافق مع ذلك عجز مستمر في موازنة المدفوعات مع العالم الخارجي ووصلت معدلات العجز في الموازنة العامة الى أكثر من نصف الموازنة السنوية، الأمر الذي يعني تحمل ميزانية الدولة عبئاً أكبر من العملات الأجنبية لتوفير السلع الغذائية، وأصبحت الحاجة ملحة إلى زيادة إنتاج الغذاء لتعويض هذا العجز من السلع، وقد حاولت السياسات الزراعية منذ العام 1980م الوصول إلى درجة عالية من الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية (أي توفير كمية الغذاء اللازم للسكان من خلال زيادة الإنتاج المحلي أو الاستيراد دون الأخذ في الاعتبار مجاميع الغذاء).
واذا كانت اليمن قد تجاوزت الكثير من المعوقات والأزمات الغذائية خلال عقد الثمانينات وفي بداية التسعينات، حيث أحداث (حرب الخليج) وعودة المغتربين اليمنيين، وانخفاض التحويلات الخارجية وحرب الانفصال في عام 1994م، وهروب المستثمر العربي والأجنبي من الاستثمار في اليمن في مجال القطاع الزراعي، وأحداث 2011م وما تلاها من أزمة غذائية دولية، حيث تأثرت اليمن بالمتغيرات الدولية كغيرها من دول العالم التي كان من نتائجها الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية كالقمح والسكر والزيوت والألبان، غير ازمة الانهيار المالي التي اجتاحت العالم منتصف العام 2008م والتي كان من أفرازاتها تراجع أسعار النفط التي تهاوت على نحو كبير عانت منها اليمن كونها احدى الدول المعتمدة على العائدات النفطية بنسبة 95%، ومن التطورات الصاعقة التي ألمت باليمن (العدوان الغاشم في 2015م من قبل دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية التي أثرت في ظل الحصار البري والبحري والجوي بشكل كبير على حجم المساحات المزروعة وعلى الصناعات الغذائية.. لذلك (وصلت نسبة مخاطر الأمن الغذائي إلى 60% في العام 2016م، 2017م ، الأمر الذي أدى إلى حالة من إنعدام الأمن الغذائي وبالتالي زيادة معدلات الفقر والجوع، فضلاً عن ذلك معدل النمو السكاني يعتبر عالياً جداً حيث بلغ نحو 3,02% سنوياً، الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب على المنتجات الغذائية ومنها الزراعية  كالحبوب الذي زاد الطلب عليها إلى ثلاثة ملايين طن في حين أن اليمن لا تنتج إلا ما نسبته 9% وأيضاً زاد الطلب على الخضروات والفواكه والبيض والحليب والاسماك أو المنتجات الغذائية الصناعية كالألبان والحليب والمواد الغذائية المعلبة، كما أن مساحة زراعة محصول القات قد ارتفعت إلى أكثر من 25% من إجمالي المساحة المزروعة) (ندوة الأمن الغذائية صنعاء أكتوبر/2019م د/ محمد الرفيق).
الأمر الذي خلق حالات من عدم الاستقرار، ذلك لم يمنع بلد الحكمة والإيمان التي وصفها القرآن الكريم في قوله تعالى(بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) من العمل على تطوير السياسات في الأمن الغذائي .. فالواقع يشير إلى أن الزراعة لازالت تمثل النشاط الرئيسي في الاقتصاد اليمني رغم الحرب والحصار- وحسب قول وزير الزراعة والري اليمني المهندس/ عبدالملك الثور: (أن الزراعة في اليمن ليست قطاعاً اقتصادياً فهي أسلوب حياة للشعب اليمني ولها وظائف اقتصادية ووظائف اجتماعية ووظائف بيئية في ظل العدوان والحصار الاقتصادي الذي تعرضت له اليمن، حتى إن قطاع الزراعة هو القطاع الذي استطاع أن يصمد في ظل الازمات وأن يعيل شعب بكامله وأوجد فرصاً للناس وحافظ على البيئة من خلال المدرجات والأراضي، كما حافظ على الترابط الاجتماعي بين الناس في الريف والمدن ،زد على ذلك أن نصف السكان والقوى العاملة يعملون في قطاع الزراعة وأكثر من 70% من سكان اليمن في مناطق ريفية وهذا هو المؤشر على أهمية قطاع الزراعة.. مشيراً إلى أن اليمن ينتج 150 الف طن من القمح ويستورد ثلاثة ملايين، فيما تخطط الوزارة إلى رفع معدل إنتاج القمح والعمل على تبني استراتيجية لتطوير زراعة اليمن، حيث سيتم إعادة بعض مناطق القات إلى الإنتاج الزراعي واستبداله بشجرة البن.
وبالإشارة إلى ما ذكر وزير الزراعة والري اليمني ـ فإن الزراعة في اليمن تسهم بنصيب اكبر في الإنتاج المحلي الإجمالي في ما تسد حاجة توفير الأمن الغذائي للاستهلاك المحلي.. يؤكد ذلك الأستاذ الدكتور/ محمد الرفيق رئيس جامعة ذمار سابقاً: (بان ثلث السكان يعملون في إنتاج الغذاء من المحاصيل الزراعية وفي مقدمتها الحبوب والخضروات والفواكه، وأن بعض المحاصيل التجارية النقدية (الزراعية الصناعية) لا تزال محدودة كالقطن والتبغ والبن ، وبعض محاصيل الخضر والفواكه).. وبذكر المحاصيل التجارية النقدية فإن اليمن تنتج عدداً لا بأس به من المحاصيل النقدية المنافسة التي تدخل في العديد من الصناعات وتدر أرباحاً مالية من العملة الصعبة لبناء الاقتصاد.. و إضافة إلى ما أشار اليه الدكتور الرفيق هناك (العسل والسمسم والفول السوداني)، وبحسب كتاب الإحصاء الزراعي لعام 2019م (فإن ما تنتجه اليمن من هذه المحاصيل النقدية قد بلغت 44,82,6هكتاراً بإجمالي إنتاج قدره 88,992 طناً خلال العام 2019م ويشير الكتاب إلى أن هناك زيادة في المساحة المزروعة بلغت 200356 هكتاراً ساهمت بإضافة 11,975 طناً إلى إجمالي الإنتاج الذي كان  في العام 2015م التي بلغ 77,017 طناً، تمت زراعته في مساحة قدرها 80,288 هكتاراً).
ومن هنا فإن عوامل تطوير السياسات في الأمن الغذائي في اليمن تعتبر أولوية وفي غاية الأهمية من أجل تشخيص حالة الأمن الغذائي المتمثل في القطاع الزراعي والصناعي.. وهذا ما تعمل عليه حالياً وزارة الزراعة والري بصنعاء.. إحداث ثورة زراعية تنموية على نطاق واسع من المشاركة المجتمعية ضمن خطة النهوض الشاملة التي تعمل عليها وزارة الزراعة واللجنة الزراعية والسمكية العليا- في سياق تعزيز الامن الغذائي لليمن، حيث تتضمن الخطة موجهات ومنطلقات الثورة الزراعية الثانية والمنبثقة من مخرجات تدشين الثورة الزراعية الذي جرى في 15/أغسطس من العام الجاري تحت عنوان (زُرع في اليمن) والذي يأتي تواصلاً لموجهات الثورة الزراعية الأولى التي انطلقت في أكتوبر 2020م والتي وصفها البعض بالإعلان الثوري الزراعي ،حيث كانت الانطلاقة الحقيقية للنهوض بالقطاع الزراعي وتحقيق تنمية زراعية شاملة.. أشار إلى ذلك التقرير الصادر من اللجنة الزراعية و السمكية (ما تضمنته المرحلة الأولى من المنجزات التي تحققت ومنها تفعيل العمل المجتمعي ونشر الوعي بأهمية مشاركة المجتمع  وتبني إنشاء الاتحادات التوعوية الزراعية وتوعية القائمين الأساسيين بأهمية العمل المجتمعي وتفعيله لتعزيز الصمود وكان واضحاً من التدشين الأول والثاني إعداد برامج وطنية لزيادة وتنمية إنتاج المحاصيل الاقتصادية ضمن الخطة الشاملة للتنمية الزراعية (2021-2025م).
جدير بالذكر أن موجهات الثورة الزراعية ومنطلقاتها هدفت إلى خلق جيش تنموي (شركاء تنمية) من المؤسسات والهيئات الحكومية العامة والخاصة بمشاركة الآلاف من المتطوعين والمتطوعات في المجالات التقنية والبحثية والإدارية والارشادية والإنتاجية على أن الضرورة  تقتضي وبحسب رئيس اللجنة الزراعية والسمكية العليا (أن يكون هناك اتحاد عام للتعاونيات على مستوى الجمهورية اليمنية يتولى تجميع احتياجات السوق من المحاصيل الزراعية بناءً على المعلومات التي سيقدمها التجار ومتعهدو الأسواق المركزية وبموجبها يقوم الاتحاد بإعداد خطة استراتيجية على مستوى الجمهورية يوضح فيها أنواع المحاصيل والكميات المطلوب زراعتها وتحديد المدخلات اللازم توافرها بناء على معلومات تقدمها الجمعيات الزراعية إلى الاتحاد.
والاهم هو ما أشار ونوه اليه الدكتور/ رضوان الرباعي- نائب وزير الزراعة والري في حكومة صنعاء للنهوض بالقطاع الزراعي في اليمن في ظل الحرب الاقتصادية من قبل دول التحالف بقيادة السعودية حيث حدد عدداً من المؤشرات الكفيلة نحو تحقيق الأمن الغذائي وصولاً إلى الاكتفاء الذاتي- من هذه المؤشرات:
- تطبيق استراتيجية إعادة توجيه قيمة فاتورة الاستيراد المقدرة ب (خمسة مليارات دولار) نحو دعم المزارع اليمني من خلال تفعيل برنامج الزراعة التعاقدية.
- خفض فاتورة الاستيراد كمرحلة أولى إلى نحو 20% من أصل خمسة مليارات دولار سنوياً، وإعادة ذلك على تشجيع ودعم المنتج المحلي.
- منع استيراد المنتجات الزراعية التي ستتم زراعتها في اليمن، وسيصدر قرار بذلك من المجلس السياسي الأعلى.
- توجه وزارة الزراعة نحو توطين رأس المال الوطني للاستثمار في القطاع الزراعي إي تشجيع القطاع الخاص للدخول والاستثمار في القطاع الزراعي كونه قطاعاً واعداً ومكاسبه مضمونة.