المناضل سعيد العكبري يكشف لـ « 26 سبتمبر » معلومات جديدة حول تأسيس الجبهة القومية الناصرية

المناضل سعيد العكبري يكشف لـ « 26 سبتمبر » معلومات جديدة حول تأسيس الجبهة القومية الناصرية

أول عملياتنا الفدائية كانت تفجير لنش عسكري بريطاني بقنبلة صنعناها بأيدينا وقصف المجلس التشريعي بقذائف مدفعية
يؤكد المناضل الشيخ سعيد العكبري أول وزير للإدارة المحلية في حكومة ما بعد تحقيق الاستقلال أن الجبهة القومية الناصرية التي شكلها مجموعة من الشباب في عدن

وهو واحد منهم كانت أول من أسس للكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني لتحرير الجنوب اليمني من الاحتلال وقامت بتنفيذ العمليات الفدائية الأولى، وقال في حديث خص به صحيفة "26سبتمبر" بمناسبة الاحتفال بمرور 58 عاما على قيام ثورة 14 اكتوبر المجيدة أن هناك أحداثا مهمة شهدتها فترة الكفاح المسلح ما تزال مغيبة ولم يتم التطرق لها بسبب ما أعقب تحقيق الاستقلال من خلافات سياسية انعكست سلبا على مسيرة الدولة الفتية التي تم الإعلان عنها يوم 30 نوفمبر عام 1967 م مشيرا الى أنه في مذكراته القادمة سيقول الحقيقة كاملة مدعمة بالوثائق ويكشف عمن هم الثوار الحقيقيون والفدائيون الذين ضحوا بحياتهم من أجل طرد الوجود البريطاني وتحرير الجنوب اليمني من الاحتلال.. فيما يلي تفاصيل الحوار:

حوار / أحمد ناصر الشريف
< الشيخ المناضل سعيد العكبري وشعبنا اليمني يحتفل بالذكرى الثامنة والخمسين لثورة 14 اكتوبر المجيدة هل تحدثونا في هذه المناسبة عن الدور المغيب الذي قامت به الجبهة القومية الناصرية المتعلق بتأسيسها للكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني وكيف بدأت بتنفيذ عمليات فدائية في مدينة عدن تحديداً؟
<< في البداية أؤكد هنا إننا لم نكن نحن الوطنيين فقط فقد كان هناك شعب يفهم وقوى سياسية تدير الأحداث من مفاهيمها الوطنية وهي الاتحاد العمالي والرابطة وحزب صغير كانوا يسمون أنفسهم المعنيون وهم خارج الإطار الوطني، قبل القيام بعمليات فدائية شكلنا وفدين الأول برئاسة ابوبكر شفيق وارسل الى الاتحاد العمالي والوفد الثاني برئاسة سعيد العكبري للحديث مع حزب الرابطة ناقشنا كل الأمور المتعلقة بالأعمال العسكرية، لكن ابو بكر شفيق عاد متألما من شتائم وسفاهة عبد الله الأصنج ومحمد باسندوه ونحن عدنا من لقاء مع شيخان الحبشي بأمنيات طيبة بالنجاح وناقشنا عدم فهم السياسيين لما نحن جادون فيه ومقدمون عليه فتدارسنا الأمر وقررنا خوض الحرب الشعبية فلسنا أقل من شعوب آسيا وأفريقيا وذلك ما تم فعلا وبدأنا باسم الله وصلاة جماعة أمنا فيها الشيخ محمد علي باحنيص رحمه الله رحمة الأبرار هذا بالنسبة لما قبل العمليات الفدائية أما بخصوص سؤالكم فأقول: ما يؤسف له حقا إن الكتابات التي تتحدث عن الجبهة القومية كتنظيم رائد قاد عملية الكفاح المسلح ضد الوجود البريطاني في جنوب اليمن وكيف تأسست فإنها لا تمت الى الحقيقة بصلة فكل هذه الكتابات لا يعرف أصحابها من هي الجبهة القومية ومن الذي أسسها ومن هم أبطالها وقادتها، هؤلاء يحكمون على الجبهة القومية من خلال آراؤهم السياسية وإن كنت أعتقد أن ذلك يعتبر شيئا طبيعيا بحكم أن الشعوب العربية التي لم تخض المعارك الحقيقية ضد القوات الاستعمارية سواء كانت بريطانية أو فرنسية أو غربية عموما تنقصها معرفة تاريخ القوى التحررية وكيف نشأت، قد لا تعرف هذه الشعوب أن ثورة الأكثر من مليون شهيد الجزائرية بدأت بمجموعة من الشباب الأحرار وكذلك قد لا يعرفون تاريخ اندلاع الثورات في مصر وسوريا والعراق وكيف حررت شعوبها من أسر حاكمة كان الاستعمار قد وضعها على رأس الحكم في تلك البلدان العربية وهو ما ينطبق على الشعب اليمني في جنوبه فحسب الشائع إن المعركة بدأت ضد الوجود البريطاني في 14 اكتوبر عام 1967م بقيادة تنظيم الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل وكانت هذه هي التسمية الرسمية للجبهة القومية وكثيرا ما نقرأ كتابات عن الجبهة تنتقدها وهناك من يلعن رجالها لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً.
الجبهة القومية تنظيم وطني شكله ثلة من أبناء الوطن دون تدخل أي قوى أجنبية أو خارجية ما عدا بعض التسهيلات التي تلقيناها من القيادة المصرية التي كانت متواجدة في شمال الوطن ولذلك لا يجب أن يقسو التاريخ على الجبهة القومية فهي ليست الأساس للنضال وإنما أساس ثورة الكفاح المسلح هم مجموعة من شباب الجنوب اليمني من عدن وحضرموت ومن مختلف المناطق التي كانت تسمى آنذاك بالسلطنات من يافع والعوالق ومن حبان والضالع وفي عدن كانت القيادة من شباب عدن وإذا أردنا أن نذكر الأسماء فلن يتجاوز عددهم عشرين شخصا هذا في البداية وسأذكر اسمي آخر شخص بينهم وإن كنت في مقترح الترقيم من الأوائل.

كنا نشتري السلاح من السلاطين
< من أطلق على الجبهة القومية صفة الناصرية؟
<< كان اسم الجبهة القومية الحقيقي في بداية تشكيلها: الجبهة القومية الناصرية وقد اخترنا هذا الاسم لأننا كنا نحب القائد العربي جمال عبد الناصر وأنا شخصيا ناصري الهوى بل ولنا الفخر أن نسمي أنفسنا بالناصريين نسبة الى ذلك القائد العظيم للشعب المصري الذي حرر مصر من أسرة حاكمة فاسدة أجنبية عن مصر وغريبة على الشعب المصري ولذلك وكما أشرت أطلقنا عليها اسم الجبهة القومية الناصرية ومن قادتها الشباب والمؤسسيين وأنا أحدهم وهم: احمد هبة الله علي صاحب مكتبة هبة الله في شارع الزعفران وسالم الجعفري وخالد هوري وأبوبكر علي شفيق وجعفر القوسري والمحمدي عبدالله علي وسعيد العكبري، وكانت القيادة الفعلية لهذا التنظيم تتكون من سعيد العكبري وابوبكر علي شفيق واحمد هبة الله علي وخالد علي هندي وغيرهم من الشباب الفدائيين الذين استشهدوا أثناء خوضهم معركة تحرير الجنوب كله وليس عدن وحدها التي كانت تتواجد فيها القوات الاستعمارية البريطانية، وكنا قد بدأنا بعد الأحداث برؤية تمثلت في التدريب المخترع من قبلنا وليس من قبل أي قائد عسكري من هنا أو هناك وإن كان فيما بعد قد أنضم إلينا الكثير من ضباط الأمن والشرطة وضباط الجيش حيث كنا نتدرب على بعض الأسلحة البسيطة مثل المسدسات قبل أن تصل الينا الرشاشات التي جلبناها من شمال الوطن.
< من أين كنتم تحصلون على السلاح في ظل قبضة القوات البريطانية في عدن؟
<< كنا نشتري السلاح من بعض السلاطين الذين كانت بريطانيا تمولهم بالسلاح سنويا بعدد من الرشاشات وكثير من السلاطين كانوا يبيعون الأسلحة لنا ومنهم السلطان الواحدي والذي كان يستلم السلاح منه الشيخ ناصر الواحدي وسالم الواحدي من أبناء السلطنة الواحدية والى جانب بيعهم السلاح لنا كانوا يهدون إلينا بعض الرشاشات والبنادق وكانت أول عملية فدائية قمنا بها ونستطيع أن نقول عليها فدائية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى هي تفجير لنش عسكري بريطاني كان يحتاج إلى إصلاح فتم نقله من ميناء المعلا عبر الشارع الرئيسي الى مفرق جبل حديد وما يزال هذا الاسم موجودا حتى اليوم وهو عبارة عن معسكر وله بوابة كبيرة على الشارع الرئيسي مابين المعلا وخور مكسر.

فجرنا اللنش وقصفنا المجلس التشريعي
< كيف تمت هذه العملية؟
<< بعد نقل هذا اللنش العسكري المتوسط الى البر لإصلاحه والذي وضعوه عند بوابة معسكر جبل حديد حيث كانوا في هذا الموقع منتظرين إصلاحه قمنا بالتسلل الى منطقة تقع خلف ما يسمى اليوم بدار الرئاسة بالمعاشيق وهو لا دار رئاسة ولا يحزنون فقد كان عبارة عن بيت كبير يملكه تاجر يوناني متخصص في تجارة الأفران والأغذية وكان يمتلك أشهر فرن او مخبز للروتي في عدن وبعد مغادرته عدن الى بلده اليونان استخدمته القوات البريطانية مقرا لها، ثم فيما بعد الاستقلال تم تحويله الى دار للرئاسة، بعد تواجدنا في هذه المنطقة المطلة على البحر ابوبكر علي شفيق وخالد علي هندي واحمد هبة الله علي وسعيد العكبري فكرنا بصنع قنبلة وكنا قد جلبنا البارود والديناميت والمواد المطلوبة لصنع القنبلة وبعد الانتهاء من صنعها أردنا أن نجرب قوة انفجارها وما سيحدثه من تأثير وحددنا لها خمس دقائق حتى تنفجر، وضعناها بين مجموعة من الأحجار واختفينا، مرت الخمس الدقائق ولم تنفجر فتقدمت أنا والأخ خالد هندي جهتها لنعرف سبب تأخر انفجارها ولم نكد نصل إليها حتى انفجرت فحدثت لنا إصابات طفيفة في أيدينا عندما غطينا وجهينا وكان حينها الوضع مخيف بالنسبة لنا خوفا من سماع القوات البريطانية للانفجار، لأنها كانت قريبة منا فيما يعرف اليوم بدار الرئاسة فسارعنا للخروج من مخبئنا واتجهنا الى السيارة التي كان يقودها محمد اليحيري فتحركنا نحو الشارع الرئيسي وفجأة لا حظنا ان سيارة بريطانية تتبعنا فاعتقدنا أنها تلاحقنا وعندما وصلنا الى منطقة حقات التي كانت توجد بها دار للسينما ومطعم توقفنا ودخلنا المطعم لنشرب أي شيء ونموه على البريطانيين لكن كانت المفاجأة الثانية أن البريطانيين دخلوا المطعم ليشربوا ويسكي ولم يكونوا يتابعونا وزيادة في الاحتياط طلبنا عصير ليمون وحملناه الى السيارة وهربنا وكانت معنا قنبلة وضعناها تحت اللنش وابتعدنا عنه فحدث انفجار مدوي هز البريطانيين وهز أبناء الشعب العربي المسلم في عدن وسبب ربكة وكان التساؤل من قام بهذه العملية وهذا التفجير الكبير الذي لم يعرف به أحد ولا من قام به ومن خطط له فاعتبرنا ذلك أول نجاح لنا كقيادة للجبهة القومية الناصرية لمقاومة الاستعمار البريطاني وقد شاركنا فيما بعد الكثير من الفدائيين للقيام بعمليات أخرى وكان أكثرهم فدائية احمد هبة الله علي وخالد علي هندي ومحمد صالح علي وهو من يافع وأيضا بعض الإخوان من شباب عدن وهناك أسماء كثيرة لا تحضرني حاليا وسأذكرهم ان شاء الله في مذكراتي القادمة فوثائقي ليست بحوزتي الآن كوني أعيش في الخارج وعندما أعود الى اليمن سأرجع لكل وثائقي واكتب الأحداث بأمانة وإنصاف من قاموا بها وشاركوا فيها.
< ماهي العمليات التي أعقبت عملية تفجير اللنش العسكري البريطاني؟
<< قمنا بعمليات كبيرة وكانت أول عملية ضرب مقر المجلس التشريعي الذي كان يقع على حافة مرتفع جبلي بكريتر فوق ما كان يسمى بمنطقة البنوك حيث كان يوجد بنك الشرق الأوسط والبنك البريطاني والبنك التجاري وغيرها ونحن كنا نتواجد في السوق البدوي بجوار تلك المنطقة البنوك كانت تقع في الشارع الرئيسي المرتفع بحوالي أربعة أمتار ونحن تحتها وكان معنا مدفعية ومتفجرات أطلقناها على مقر المجلس التشريعي فأحدثت فيه أضرارا ولم يصب الأعضاء، ولن أتحدث عن نفسي وإنما سأقول أن المدافع والمادة المتفجرة كانت مخبأة في دكان سعيد العكبري الذي يقع في الشارع الرئيسي المعروف بالمعلا وكان يسمى شارع الملكة لأن كل البنايات فيه على جانبي الشارع كان يسكنها الضباط والجنود البريطانيون وكانت أسرة آل العكبري قد استأجرت دكانا في إحدى العمارات في هذا الشارع ويمتلكها احد أعضاء المجلس التشريعي الذي نصفه هندي ونصفه الآخرعربي ومن حسن الحظ كان خلف الدكان سورا فجعلنا منه مخبأ للأسلحة التي كانت تحصل عليها الجبهة القومية الناصرية وقد أخذنا السلاح من ذلك السور الى عدن وتحديدا الى تحت مقر المجلس التشريعي، بعد القيام بتنفيذ العملية انسحبنا وأسلحتنا معنا الى موقعنا الذي نتجمع فيه والفدائيون منهم من ذهب الى بيته ومنهم الى عمله والذين قاموا بالعملية هم ابو بكر علي شفيق وسعيد العكبري وخالد هندي واحمد هبة الله وعلي ناصر عمر فرتوت وهذا المناضل أذكر اسمه لأول مرة هذه فقط مجرد نماذج أو شذرات من أعمال قام بها الفدائيون من أعضاء الجبهة القومية الناصرية ضد الوجود البريطاني ولم يسبق أن تحدث عنها أحد من قبل وسأكشف المزيد منها في فترة قادمة عندما أعود الى وثائقي المحتفظ بها في بلدي اليمن.

وضعنا أساس للكفاح المسلح
< هل كانت هذه العمليات ضد الوجود البريطاني غير مسبوقة؟
<< نعم وحينما كان الناس يسمعون عن القيام بعمليات ضد الاستعمار البريطاني لم يكونوا يتصورون إن هذا قد يحدث في عدن ثم وضعنا أساسا للنضال عندما تحرك الإخوة القوميون العرب في بيروت وقد كان لتحركهم صدى ايجابي فتحرك القوميون العرب في عدن وانضممنا الى بعض وتوسعت حركتنا وتعاهدنا بأن نكون يدا واحدة ضد الاستعمار البريطاني حتى يرحل ويتحرر الجنوب اليمني من الاحتلال وتصبح عدن والجنوب ارض حرة وهذا ما تحقق في 30 نوفمبر عام 1967م.
< لماذا ظلت هذه المعلومات غائبة ولم يتحدث عنها أحد من قبل؟
<< لا يستطيع أي طرف شارك في النضال ضد الاستعمار البريطاني أن ينكر هذه الأعمال التي قمنا بها في عدن وشارك فيها شباب من أبناء عدن نفسها ومن يرجع الى إعلام الستينيات من القرن الماضي سيجد أن كل الإذاعات وصحافة ذلك الزمان كانت تتحدث عنها ونحمد الله ونشكره أننا نجحنا في تنفيذ عمليات كثيرة وكبيرة في عدن ضد الوجود البريطاني وأسسنا للكفاح المسلح وقد كنا نتجنب استهداف الشرطة المدنية لأنهم إخوة لنا فكان تركيزنا فقط على أفراد القوات البريطانية المحتلة حيث قتلنا وأسرنا منهم الكثير وأذكر في إحدى المواجهات في عدن أننا قتلنا ستة جنود بريطانيين دفعة واحدة مابين حافة الحصون والبردة، نسأل الله أن يحفظ شعبنا اليمني شماله وجنوبه وأن يلم شمل أبناء هذا الشعب الذي يعاني أشد المعاناة بسبب التفرقة والانقسام مثل قول البعض هذا شمالي وهذا جنوبي مع أن اليمن شعب واحد شاء من شاء وأبى من أبى حينما نقول حضرموت كبيرة صحيح إن مساحتها قد تعادل مساحة بقية المحافظات او أكثر ولكنها جزء من اليمن الكبير والأوطان لا تقاس بمساحاتها وإنما تقاس بأهلها وسكانها وقوة شعوبها.