وباء التطبيع على الاقتصاد والأمن العربي

وباء التطبيع على الاقتصاد والأمن العربي

إن وباء التطبيع الذي يجتاح المنطقة العربية بشكل سافر واستفزازي يعتبر كارثة كبيرة وأكثر خطورة من وباء كورونا لان الوباء الذي يصيب الجسم مصيره إلى التراجع والانحسار

أما الوباء الذي يصيب الروح والعقيدة الإيمانية والاسلامية له مخاطر كبيرة جدا وليس بالسهولة القضاء عليه وذلك لان آثار التطبيع ستكون أخطر وأكثر فداحة لأنها تمس نسيج الأمة العربية وتاريخها وتطيح بالكثير من عوامل صمودها واستمرارها وتعتبر موجة التطبيع الجديدة التي تجتاح العالم العربي مختلفة عن الموجة السابقة بين مصر وإسرائيل التي كانت في السبعينيات من القرن الماضي وذلك من زوايا عدة اهمها انها تجري مع دول من خارج الطوق العربي فالإمارات والبحرين والسودان والمغرب ليست من الدول المجاورة لإسرائيل ولم تكن في حالة حرب معها في أي يوم وانها تأتي في وقت يبدو فيه النظام العربي الرسمي في أسوأ حالاته نتيجة الاحداث والصراعات التي مر بها مؤخرا  ولذا يتوقع ان تكون لهذه الموجة التطبيعية تداعيات أكثر حدًة وخطورة على النظام العربي وذلك على كل الأصعدة السياسية والامنية والاقتصادية والفكرية ومن الضرورة التصدي لهذا الوباء الخبيث قبل أن يتجذر في جسد الامة العربية والاسلامية ومن المؤسف ما نلاحظه حاليا ان نرى دولا ومجتمعات عربية تتسارع في وتيرة كبيرة لتقديم اوراق اعتمادها للكيان الصهيوني عبر جعل العلاقة معه امراً طبيعياً والسبب في تهاتف هذه الدويلات للحصول على هذا المرض الخبيث هو الاعتقاد الخاطئ انه سيؤمن لهم الحماية من شعوبهم التي سوف تنتفض ضدهم بسبب سياسات القمع والفساد والتبعية لقوى الظلم والطغيان العالمية.
وعلى الصعيد الاقتصادي يتوقع ان تكون المواجهة الحالية من التطبيع العربي مع اسرائيل تداعيات بالغة الخطورة على النظام الاقتصادي العربي ككل وعلى الاقتصاد الخليجي بصفة خاصة وما نلاحظه ان دول الخليج تشعر بأنها دول غنية ولديها احتياطات كبيرة من النفط تمكنها من استمرار تراكم الفوائض المالية لديها في بنوك دول الغرب وتملك شركات ومصارف عالمية وبالتالي تتوهم ان لديها العديد من عناصر القوة التي تمكنها من المنافسة على الصعيد الاقليمي ومن وهم الاستفادة من تطوير علاقتها الاقتصادية والتجارية مع اسرائيل لذا تبدو هذه الدول مصممة على المضي على هذا الطريق الخاطئ والخطير غير عابئة حتى بما قد يلحقه هذا النهج من ضرر بالغ بها وبدول عربية أخرى مجاورة لها غير ان هذه النغمة المتعالية قد توحي بثقة مفرطة ولا تأخذ في اعتبارها العديد من سمات الخلل البنيوي في الاقتصاد الخليجي الذي مازال ريعياً في الاساس ويعتمد على تصدير النفط ولا يعتمد على إنتاج السلع والخدمات وتصديرها لأنها تتبع نظاماً اقتصادياً استهلاكياً غير إنتاجي ولان درجة التقدم العلمي والتكنولوجي فيها محدودة وضعيفة وذلك لان قدرة الاقتصاد الاسرائيلي على اختراق بنى الاقتصاد الخليجي وهياكله تبدو اكبر بكثير، ومن ناحية أخرى لم تستوعب دول الخليج ان اسرائيل تؤمن إلى درجة اليقين بأن كل ماهو عربي او اسلامي وليس فلسطينيا فقط فهو يشكل تهديداً حالياً أو محتملا لها .
ونتيجة حتمية لآثار تطبيع الدول مع إسرائيل فإن الاتفاقيات المبرمة بينها قد يكون لها تآثير سلبي على تلك الدول من الناحية الاقتصادية خاصة في مجالات التجارة والسياحة وجذب الاموال والاستثمارات لان دول الخليج والدول الاخرى المطبعة مع إسرائيل لها اسواق وسلع وخدمات تصدر وتباع فيها من بقية الدول العربية في المنطقة ووجود علاقات اقتصادية بين اسرائيل والدول المطبعة معها قد يعني مواجهة السلع الاخرى واخضاعها لمنافسة قوية من مثيلاتها الاسرائيلية في تلك الاسواق وأيضاً يقاس ذلك مع القطاعات الاقتصادية الاخرى فمثلا قد ينتج أضراراً كبيرة لقطاع السياحة فالتطبيع إذا ما انتقل من المستوى الرسمي إلى المستوى الشعبي قد يؤدي لمنافسة على صعيد السياحة بحيث تكون المزارات السياحية في اسرائيل وجهة منافسة للمزارات في الدول العربية الاخرى خاصة وان طبيعة السلطة ممكن ان تقلل من مقاومة التطبيع الشعبي ومن الاضرار الاقتصادية الاخرى في جانب حركة قطاعات النقل فلو حدث ما يتردد حاليا من مد خط سكك حديدية بين اسرائيل ودول الخليج والذي يكون من آثاره الكارثية ان تتحول اسرائيل ساعتها إلى مركز لتجارة الترانزيت بين الخليج العربي واوروبا وسيكون ذلك بالطبع على حساب حركة النقل للدول الاخرى في المنطقة، ومن الكوارث ايضا على صعيد الاستثمارات فإن اسرائيل ليست بحاجة لجذب استثمارات  جديدة فهي بالفعل مشبعة منذ فترة بهذا الجانب، ولكن من ناحية اخرى قد يتجه التطبيع بين اسرائيل ودول الخليج إلى وجود مشاريع مشتركة بينهما تلعب فيها اسرائيل دور ناقل التكنولوجيا الامريكية والاوروبية الى دول الخليج وتؤدي إلى توطين الاستثمارات الخليجية في دول الخليج نفسها وهو ما قد يؤثر بطبيعة الحال على تدفق الاستثمارات الخليجية إلى الدول العربية الاخرى وهذا يعتبر كارثة اقتصادية ومن ناحية أخرى فان التطبيع مع اسرائيل له تأثير خطير على العمالة العربية بالخليج والسبب إن اسرائيل ليست موردا للعمالة وقد يقتصر تصدير اسرائيل للعمالة الى الخليج على العمالة عالية المهارة وليست العمالة العادية فاسرائيل نفسها مستوردة للعمالة .
ولهذا التطبيع مخاطر كبيرة ايضا على الأمن القومي العربي ولما تشكله خطورة هذه التحولات من إنكشاف للامن العربي وإضعاف الموقف الموحد الداعم لتحرير القدس الشريف واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني لان حل القضية الفلسطينية هو اساس معالجة أزمات المنطقة والوصول إلى حالة الاستقرار والسبب في ذلك يعود إلى ان اتفاقيات التطبيع تتيح لإسرائيل الدخول إلى قلب النظام العربي واختراق المجتمعات العربية وبث بذور الفتنة والانقسام بداخلها وتغيير مفهوم اولويات الامن القومي بين الدول العربية لاختلاف تعريف الخصم او العدو لدى كل منها اضافة لاستنزاف أموال الدول النفطية تحت مسمى الاستثمار التكنولوجي في ظل ما تشهده المنطقة من تغييرات اقليمية كبيرة ودخول مشاريع غير عربية إليها بقوة والذي يجب على الدول العربية في مواجهة هذا المد الصهيوني بناء إستراتيجية عربية شاملة وبعيدة المدى لاحتواء المشروع الاسرائيلي ومحاصرته وصولا إلى إنهائه وحماية الدين الاسلامي من هذا الوباء الخطير ولان القضية الفلسطينية مستندة الى تمتين الجبهة الداخلية للدول العربية عبر تحقيق الاصلاح السياسي والتصالح مع الشعوب ولان تجربة اربعين عاما من مسار التسوية والمعاهدات بين دول عربية واسرائيل لم تحقق السلام والاستقرار في المنطقة ولم تحقق مصالح الشعب الفلسطيني.