قراءة في تقرير البرنامج الانمائي للأمم المتحدة عن اضرار العدوان والحصار على اليمن

قراءة في تقرير البرنامج الانمائي للأمم المتحدة عن اضرار العدوان والحصار على اليمن

126 مليار دولار خسائر الفرص الضائعة التي فقدها الاقتصاد اليمني خلال ست سنوات مضت
تحدث البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة مؤخراً عن اضرار العدوان والحصار على الشعب اليمني ،

وقدر خسائر الفرص الضائعة التي فقدها الاقتصاد اليمني خلال ست سنوات مضت بـ 126 مليار دولار، ولكن حديثه عن الوضع في اليمن في اخر تقاريره يشير إلى أن البرنامج الإنمائي يبرئ دول العدوان من جرمها بحق اليمن ، منذ سبع سنوات، فكلفة الفرص الضائعة في الناتج المحلي الإجمالي بلغت خلال الفترة مايو 2015 ــ يونيو 2018، ما يزيد 49.9 مليار دولار، وارتفعت أواخر العام الماضي إلى اكثر من 80 مليار دولار ووفقا لتوقعات وزارة التخطيط بصنعاء فان كلفة الفرص الضائعة ستصل إلى 126 مليار دولار نهاية العام الجاري ومطلع العام 2022,
خسائر اليمن الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة كبيرة وحتى الآن لا يوجد رقم دقيق لحجم الخسائر الكلية للعدوان والحصار، ويعود السبب لاستمرار العدوان والحصار واشتداد الحرب الاقتصادية، ووفقاً لما جاء في تقرير البرنامج بأن الاقتصاد اليمني قد يحتاج لعقود زمنية للتعافي، وقد يكون التوقع صحيح في حالتين فقط:
الأولى، في حال تم التوصل لحل سلمي ينهي العدوان ويرفع الحصار ولا يلزم الطرف المعادي بدفع كامل التعويضات المباشرة الناتجة عن استهداف البنية التحتية والمصالح الخاصة والاضرار المباشرة وغير المباشرة التي تكبدها الاقتصاد اليمني خلال سنوات العدوان
الثانية، في حال بقت او عادت الوصاية الأجنبية السعودية على البلاد اياً كان نوعها وشكلها ، فقد ثبت خلال العقود الماضية وقوفها وراء اجهاض التنمية في اليمن .. لذلك فان أي سلام دون إلزام دول العدوان المتخمة بالثراء بالتعويضات الشاملة لا يعد سلاماً شاملاً، واي سلام لا يلزم كل دول العدوان بعدم التدخل بالشأن اليمني كلياً حتى وان تم إقامة علاقات ديبلوماسية قائمة على احترام السيادة الوطنية واستقلال الدول ,, سيكون سلاماً منقوصاً.. فاليمن يمكن ان ينفض غبار العدوان والحصار بوقت قياسي، ويمكن يتعافى الاقتصاد الوطني في سنوات قليلة وينتقل من حالة عدم الاستقرار إلى حالة الثبات ومن ثم النمو دون وصاية اجنبية وتحديداً السعودية، ولكن فاتورة الاعمار ليست بالهينة  ، فهذا العدوان كان مخططاً منذ سنوات طوال ، فتم ضرب كل القطاعات الاقتصادية بعد وضعها في دائرة الاستهداف ، فتم استهداف القطاع العام الذي يساهم بـ 46% من إجمالي الناتج المحلي ، و52,6% من الطلب الكلي ويوظف حوالي % 31  من إجمالي السكان العاملين ، ويدفع مرتبات 1.25 مليون موظف ، فالعدوان ومنذ الوهلة الأولى عمل على تجفيف كافة قنوات الإيرادات التي تغذي الموازنة العامة للدولة ، فتعمد إيقاف صادرات النفط والغاز والتي تمثل عائداتها 55% من أجمالي الموازنة ، وبسبب نزوح المنظمات الأجنبية وعزوف المانحين في الاستمرار بتمويل المشاريع الممولة من الدول المانحة ، تراجع حجم المساعدات والهبات والمنح الدولية من 11% من إجمالي الايرادات إلى 1% فقط ، خلال العام 2016، وتسبب الاستهداف المباشر للعدوان الشركات والمصانع والمصالح بتراجع ايرادات الدولة من فائض أرباح تلك الشركات والمصانع من 6% عام 2014 م إلى 1% خلال العام الثاني للعدوان ورغم تحسن مساهمة هذا القطاع نسبياً العام الماضي لاتزال مساهمته متواضعة ، وجراء العدوان تأثرت ايرادات الدولة الذاتية الأُخْـرَى من 14% من إجمالي الايرادات ولم يتبقَّ منها سوى 6%. ، وبينما كانت احتفظت  الخزينة العامة للدولة بنسبة 10% من أصل إيرادات الضرائب والجمارك التي تمثل 25% من إجمالي الايرادات العامة للدولة ، وحتى اليوم لايزال استهداف الاقتصاد الوطني هدفاً للعدوان ، ونتيجة لارتفاع الاضرار المباشرة وغير المباشرة التي طالت الاقتصاد اليمني تحاول السعودية الخروج من اليمن دون ان تتحمل فاتورة جرمها ودمارها ، ولذلك تحاول الرياض من خلال مبادراتها ان تقدم نفسها كوسيط سلام ، لكي تبرئ نفسها من تداعيات عدوانها وحصارها على الشعب اليمني.
وعلى ذات النهج تمضي المنظمات الدولية التي تتجنب في حديثها عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي طالت الاقتصاد الوطني الإشارة إلى السعودية والإمارات، وتحاول ان تسوّق ما حدث ويحدث في اليمن من دمار وتدمير وقتل وتنكيل وحصار متعمد وحرب اقتصادية على إنها نتاج لحرب أهلية داخلية بين أطراف يمنية، وبخطاب كهذا تعمل على تبرئة دول العدوان من الجرم المشهود بحق اليمن واليمنيين وتنقل الواقع بشكل مغاير للرأي العام الدولي عما يعانيه اليمن من عدوان وحصار ، رغم أن الأمم المتحدة نفسها تتدخل في الكثير من الأحيان لدى دول تحالف العدوان لتخفيف الحصار على ميناء الحديدة ، أو وقف القرصنة غير المبررة من قبل العدوان على سفن الوقود في البحر الأحمر.
وان كان خطاب كهذا يكشف وقوف المنظمات الدولية في صف دول العدوان ، إلا انه في نفس الوقت يدفعنا إلى التشديد على ضرورة التمسك ببند التعويضات وإيلائه ووضعه في مقدمة أي مفاوضات جديدة تفضي إلى سلام دائم وشامل ، فدون إلزام دول العدوان بدفع فاتورة كاملة للتعويضات عن الاضرار التي لحقت بالاقتصاد الوطني ، سيفقد السلام ديمومته ولن تصمد أي اتفاقيات سلام كون الاستقرار السياسي لن يأتي دون استقرار اقتصادي ، فأثار العدوان وأضراره خلال السنوات الماضية جسيمة في مختلف القطاعات ، وقد تعيق أي تعافي اقتصادي على المدى القصير والمتوسط ، وبعكس إلزام دول العدوان دفع فاتورة التعويضات فأن اي حكومات قادمة لن  تستطيع مواجهة آثار الحرب والحصار وإعادة الأعمار .
نتحدث عن أهمية التعويضات الشاملة للعدوان والحصار لأننا في اليمن لدينا تجربة مريرة مع آثار الحروب والصراعات الداخلية، فعلى سبيل المثال لم يتعاف الاقتصاد اليمني بالشكل الجيد خلال الفترة 1994- 2014، فأثار حرب صيف 94م كانت وخيمة على الاقتصاد الوطني، ورغم دخول البنك وصندوق النقد الدوليين عام 1996، على خط الازمة الاقتصادية الناتجة عن تداعيات الحرب حينذاك ونفذ بالتعاون مع الحكومات اليمنية المتعاقبة..

 سياسات اقتصادية
فحرب استمرت 70 يوماً فقط وبلغت خسائرها الإجمالية 11 مليار دولار دفع الشعب اليمني فاتورة باهظة لهذه الفاتورة ولم يتجاوز تداعياتها ، فعلى سبيل المثال " بدأت مرحلة الإصلاحات الاقتصادية بمراحل متعددة لتنطلق مطلع العام 1996م واستمرت هذه المرحلة التي وصفت بمرحلة التثبيت الاقتصادي وتعزيز التثبيت وانتهت عام 2000م ، دون نتائج ملموسة لدى المواطنين ، وتحولت مراحل الإصلاحات التي أعلنتها الحكومات السابقة إلى مثار تهديد لمعيشة الناس ، فخلال الفترة (2001-2005) انتقلت الإصلاحات إلى سياسة الجرع ، وفي منتصف العام 2005 ، اقرت ، حكومة عبدالقادر بإجمال ، جرعة سعرية ضيقت هامش العيش على اليمنيين ، وتم تبرير تلك الجرع السعرية المعلنة تحت غطاء إصلاحات اقتصادية بسياسة الكي لتفادي البتر ، وهو ما معناه أن إصلاحات عشر سنوات مضت فشلت في إصلاح الوضع الاقتصادي والمعيشي بل زادت معدلات الفقر والبطالة وادت إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاساسية وضيقت خيارات العيش على الكثير من اليمنيين .
ولم تنته تداعيات حرب صيف 1994م بعد عشرين عاماً بسبب الفساد السياسي من جانب، وفشل الإصلاحات ايضاً، وتحمل المواطن اليمني فاتورة هذه الحرب اضعاف مضاعفة وتسبب فشل الإصلاحات التي لم تصلح الشأن السياسي ولا الاقتصادي ولا المعيشي، بانتقال اليمن إلى حالة الاضطرابات السياسية والصراعات وصولاً إلى اندلاع الثورة الشبابية في صيف عام 2011 م ، ورغم ذلك حاولت حكومة ما بعد ثورة التغيير العودة للإصلاحات الاقتصادية بأسلوب اخر وأعلنت عن إصلاحات محسنة تقضي برفع الضرائب والجمارك وغيرها .
لذلك تجربة اليمن واليمنيين في هذا الجانب كبيرة، فلم نستطع تجاوز تداعيات حرب أهلية استمرت لشهرين ونصف بعد عشرين عاماً، وتسببت تداعيات هذه الحرب باندلاع اضطرابات وصراعات ، وصولاً إلى ثورة 21 سبتمبر 2014، ولذلك السلام الدائم والشامل لن يكون دائماً وشاملاً دون إلزام العدوان بدفع فاتورة العدوان والحصار ، فإلزامها بدفع هذه الفاتورة تعني تحميل السعودية كافة المسؤولية عن عدوانه وحصاره ، وإنهاء محاولاتها بالتهرب من تحمل نتائج شر اعمالها ، وعلينا الاستفادة من هذه التجربة وان كان مستقبل اليمن بدون الوصاية السعودية سيكون افضل حالاً من الماضي .