ماذا في جُبّة المجذوب الأمريكي ؟!

ماذا في جُبّة المجذوب الأمريكي ؟!

ست سنوات من الحرب الدامية منذ بدء العمليات العسكرية على رأس تحالف عسكري اقليمي بقيادة السعودية ودعم دولي تم الإعداد والتحضير له بسرية تامة لبدء عملياته الخاطفة في اختراق الاجواء اليمنية

بطلعات جوية مكثفة وقصف عنيف استهدف في الضربات الأولى تدمير القواعد الجوية ومنصات الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي ومراكز السيطرة والقيادة والاتصالات والمطارات والموانئ ومخازن الأسلحة ومراكز التموين وتواصلت العمليات الهجومية لتصل إلى ذروة اتساع رقعتها مع استخدام الأسلحة المتطورة لنسف وتدمير كل مقدرات الجيش اليمني ومؤسساته ومقراته وثكناته وشمولها لضرب البنية التحتية والتجمعات السكانية والمرافق الخدمية والصناعية والمدارس والجامعات ومواقع الآثار والمتاحف والمكتبات وغيرها في أعنف الهجمات المباغتة التي لم تتوقف حتى اليوم. وبدلاً من الإعلان عن بداية الحرب من الرياض المجاورة لليمن قررت السعودية الإعلان عنها من واشنطن على بعد آلاف الأميال من خطوط المواجهة ففي حوالي الساعة 7:30 مساءً أي حوالى الساعة 2:30 صباحًا بتوقيت الرياض أطل السفير السعودي لدى الولايات المتحدة عادل الجبير على المنصة ليعلن أن الحرب قد بدأت حاملة المعنى الضمني للمكان الذي بدا واضحاً بأن السعودية تقود تحالفا عسكريا في عدوانها على اليمن بدعم وموافقة الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي غضون ساعات من المؤتمر الصحفي أصدرت إدارة أوباما بيانًا قالت فيه أن الرئيس: “أذن بتوفير الدعم اللوجستي والاستخباراتي للعمليات العسكرية التي تقودها دول التحالف العربي وأضاف البيان أن الولايات المتحدة قد قامت أيضاً بإنشاء خلية تخطيط مشتركة  لتنسيق دعمها العسكري والاستخباراتي. وبالرغم من تحفظات المسؤولين الأمريكيين عن صعوبة وتعقيدات الحرب إلا أن السعودية بدت متفائلة كثيرا بأن العملية العسكرية لن تستغرق أسابيع للحسم العسكري وفق حساباتها الخاطئة في تقدير ذلك وخبرات جيوش رخوة لا تعرف الحروب.
 وخلال فترة ولاية أوباما الرئاسية الثانية صبت الولايات المتحدة تركيزها على الاتفاقية النووية مع إيران 2015 م ما أدى إلى نفور كل من إسرائيل والسعودية وبالتالي رأت الولايات المتحدة في اليمن طريقا سهلا لتبدأ منها ضرب محاور المقاومة واخضاعها للهيمنة والسيطرة الكلية حتى تبدو أمام السعودية أنها تهتم بأمنها القومي ومع ذلك كانت الولايات المتحدة تستشعر حجم الأخطار الكبيرة بدعمها للسعودية لخوض حرب  على اليمن بينما كانت السعودية التي تعهدت بالقيام بالمهمة من دون أن يكون لها أي رأي في كيفية قيادة هذه الحرب إنما وجدتها فرصة تاريخية مواتية وراء مشاريعها الاقتصادية المتعثرة وطموحاتها الواسعة على أكثر من صعيد ليبدأ صلفها يطال اليمن لإغراق البلد بالحروب الداخلية واستدرار التدخلات الخارجية لمحاولة حسم الصراع لصالحها إذ لم تكن الحرب لحظة أسابيع كما كانت تعتقد وبعد أن رأت صعوبة ذلك لجأت إلى إنشاء جيوش المليشيات التي تزامنت مع الدعاية الإعلامية في العزف على وتر الطائفية والمذهبية لخلط الأوراق كانت غايتها أن تكون أسباب الحرب عقائدية أو دينية لتصبح حربا مقدسة لنقل مسرح الصراع إلى دائرة الخطر الجغرافي والاجتماعي المهددة له وحشد قوى ونفوذ الهيمنة التاريخية لافتعال المعارك تحت مسمى استعادة الشرعية كان ذلك مجرد عنوان فضفاض انكشف زيفه وضلاله بمجرد أن أظهر ثنائي العدوان جوهر أهدافهما وامتداد أجنداتهما على الأرض وبعدهما الاستراتيجي والعسكري والاقتصادي في محصلة غزوهما وسيطرتهما على مواطن الثروات النفطية والغازية والجزر والموانئ والبحار والمنافذ الاستراتيجية في معطيات الصراع ووقائعه على الأرض وإملاءاتهما لتجار الحروب كأدوات موازية ورديفة في مواجهة التطلعات الوطنية التواقة إلى الحرية والاستقلال وإلى مشروع الحداثة  في بناء الدولة المعاصرة التي تعيش اليوم لحظات مخاضها الأخير ويعقد عليها الرهان في إنجاز عملية التحول والتغيير للحاق بركب العصر .
وحسب تصنيف الحروب لم تكن الحرب أهلية كما يراد اختزالها وفق هذا المفهوم في التسويق الاعلامي من قبل العدوان فالحروب تصنف حسب اتساع رقعتها ومسرحها فإذا كانت داخل إطار الدولة الواحدة دون أي مشاركة من خارج جغرافيتها تكون حربا أهلية أما إذا كانت بين الدولة وطرف اقليمي آخر اعتبرت حربا دولية إقليمية أو قومية وإذا كانت على نطاق عالمي اعتبرت حرب شاملة.  وبموجب هذا التصنيف فإن اليمن تواجه حربا شاملة تترتب على طبيعة هذه الحرب نتائجها الخطيرة نتيجة شموليتها في التدمير واتساعها الجغرافي وحجم الدول المشاركة فيها وأدوات التدمير المستخدمة فيها التي ارتبطت بالأطماع الخفية لقادات الحرب الحاملة في مضامينها تمزيق وتفكيك وتقسيم البلد وفي جوهر أهدافها الوصول إلى أطماع الغزو الاستعماري لثروات اليمن.
وعلى الرغم من هذا الحشد الدولي كان الفشل هو الظاهر في خضم المعارك الملتهبة لصالح قوات صنعاء واتضح للإدارة الأمريكية أن السعودية تفتقر إلى الخبرة والمهارة في إدارة الجيوش وإلى القيام بالطلعات الجوية الناجحة بالرغم من الأعداد الهائلة من الجيوش والقدرات التسليحية لكنها فشلت عن تحقيق أي تقدم عسكري على الأرض وراحت إدارة ترامب تستخدم حق النقض ضد قرار للكونجرس كان يسعى لإنهاء المشاركة الأمريكية في الحرب وحرصت إدارة ترامب على القول أنه على الرغم من دعم الولايات المتحدة للتحالف الذي تقوده السعودية فإن القوات الأمريكية ليست مشاركة في أي عمل عسكري مباشر. غير أن الحقيقة المؤكدة أن السعودية لا تمتلك القدرة على خوض حرب على اليمن بدون دعم ومشاركة أمريكية مع أن الولايات المتحدة تنفي مشاركتها في أي عمليات قتالية مباشرة. هذه التبريرات لم تجد لها مساحة في الاستيعاب السياسي إن لم تكن الحرب قرارا أمريكيا بامتياز في حشد هذا التحالف الذي تبين اختلافاته وتفككه لاحقا أمام حروب التحرير الوطني لمقاومة العدوان والاحتلال والنهب الأجنبي وما يرتبط بأفكار التفوق العنصري واستراتيجيته الفاشية والنازية المبني على أفكار عنصرية في نفوذه على شعبنا لذلك فإن مقاومة اليمنيين لهذا العدوان الغاشم وكسر إرادته وشل قدرته عن مواصلة الصراع هي إحدى أشكال الفنون الحربية العالية المهارة لجيوش مجربة لها خبرات طويلة في التاريخ الحربي وابتكار خطط الفنون الحربية التي فاجأت قوى العدوان في أرض المعركة. ولعل ما يزيد من قدراته الإبداعية التصنيع العسكري لأسلحة الردع التي تزامنت مع المعنويات العالية والتنسيق الجيد بين القيادتين السياسية والعسكرية لتحقيق الأهداف العليا لمقاومة العدوان.
6 سنوات من المأساة الإنسانية التي شهدها العالم كأسوأ مأساة كونية تعيشها اليمن باعتراف منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الانسانية التي بلغت فيها الوحشية نزق العنصر الفاشي الذي أظهر نزواته العدائية في ليل غادر لم يتوقف حتى اليوم.
مأساة طافحة توقفت عندها نبض الحياة عن الاستمرار والتدفق ووضعت البلد على حافة الهاوية معزولة ومغلقة عن العالم في حصار شامل غايته التجويع في إجرام تخطى كل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية في الموت الجماعي كانت اليمن تلتهب وتحترق وتهدم ولم يكن بيد اليمنيين ما يسندهم لإيقاف المجاز وهدم المدن وحمل اليمنيون أرواحهم على أكفهم وتعاضدوا على قلب رجل واحد متشبثون بمخالب أظفارهم للدفاع عن وطنهم وكما كانوا في الماضي أشداء على الأعداء في بأسهم هم اليوم كذلك لتلقين الأعداء دروس الفداء.
عشية السنة السابعة كان اليمنيون قد أظهروا للعالم صمودهم ومستوى الثبات والعزم والحزم في استنتاج مآلات التحول في طبيعة الصراع الذي انقلب رأسا على عقب ليضع نهاية مخيبة للمشيخات الخليجية وغطرستها ومطامعها لبلد يصعب كسره وهزيمته هذه هي الحقيقة التي وجدتها دول المشيخات ماثلة أمام أعينها وهي تغرق في مستنقع الحرب الذي سبق للمحللين تحذريهم منها ولأنهم لم يقرؤوا التاريخ عن إمبراطوريات عالمية سحقت على أيدي اليمنيين  ودفنت جيوشها تحت رمال وصحاري اليمن فإنهم يواجهون نفس المصير.
كانت الساعة صفر من السنة السابعة تدلف نحو مفترق طرق بين زمنين وعلى موعد جديد تعزف فيه سيمفونية الصمود مع الجموع الهادرة لمواصلة الكفاح مع إطلالة العام السابع الذي دشن دقائقه الأولى بجرعة مكثفة ومركزة من عناصر الردع التي الهبت العمق السعودي بحمم النيران التي اشتعلت في سماء المدن السعودية بقصف غارات المسيرات والصواريخ البالستية وخرجت ملايين الجماهير اليمنية تعلن مجددا الزحف في فسيفساء متناغمة ترسم علامة فارقة وتضع سقفا واضحا أمام التحالف الأمريكي السعودي الصهيوني عنوانه لا مكان لكم في وطننا ولا وقت لدينا لسماع مناوراتكم وخداعكم ومكركم السياسي.  ومن هذه الساحات الحاشدة بالملايين في يوم ذكرى الصمود الوطني أعلن الشعب اليمني استمرار الدفاع حتى استعادة كرامة اليمن واستقلالها وانتهاء عهد الوصايا الذي ولى بغير رجعة.
 وما هو واضح الآن أن طريق التفاوض سيكون سالكا إن أحسن المرور إليه وقبل ذلك سيكون من اللازم إنهاء الحرب ورفع الحصار ومغادرة القوات الغازية الأراضي اليمنية إذ لا يمكن تحقيق السلام قبل الشروع بمغادرة القوات الغازية المحتلة الأراضي اليمنية.   
في سبتمبر 2019م قال فريق الخبراء البارزين المعنيين بشؤون اليمن والتابعين للأمم المتحدة: "إن هذا الدعم إلى جانب مبيعات الأسلحة للسعودية قد يجعل الولايات المتحدة- وكذلك بريطانيا وفرنسا- متواطئة في جرائم حرب وأشار إلى أن الحرب في اليمن كارثة إنسانية." ومع ذلك تعتبر واشنطن إطالة أمد الحرب والصراع في اليمن هدفا إستراتيجيا أمريكيا تسعى من خلالها للحصول على أكبر قدر من أوراق الضغط يحسن لديها شروط التفاوض في ملفات عديدة أبرزها الملف النووي الإيراني الذي توقفت حوله المباحثات المباشرة بين طهران وواشنطن لينتقل لأطراف دولية تشارك فيه كل من روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا ودول من الاتحاد الأوروبي الثلاثاء القادم في فينا واشترطت إيران رفع العقوبات أولا وأن تتأكد من ذلك فعليا. على الصعيد ذاته كانت واشنطن قد كثفت ضغوطها على صنعاء للتجاوب مع المبعوث الأممي مارتن جريفيث والمبعوث الأمريكي تيموثي ليندر كينغ خلال المباحثات في سلطنة عمان ومن ثم الدفع بالمبادرة السعودية التي رفضت صنعاء مقايضتها بين القضايا الانسانية والعسكرية والسياسية التي رد عليها رئيس الوفد المفاوض عن حكومة صنعاء محمد عبد السلام بأنه لا جديد فيها وأشترط لأي اتفاق سلام إيقاف الحرب وإنهاء الحصار الاقتصادي وإدخال السفن العالقة وغيرها من النقاط من بينها أن لا تفرض السعودية نفسها كوسيط وهي طرف رئيس في العدوان على اليمن .
في تقرير سابق لـ"نون بوست" أشار إلى أن المبادرة السعودية ربما تهدف إلى إنقاذ المملكة من المستنقع اليمني بعدما استقر في يقين الرياض أن الحرب في اليمن باتت فخًا خطيرًا بعد الفشل في تحقيق أهداف العملية التي قادتها السعودية منذ 6 سنوات.
وفي المقابل تتعامل واشنطن مع طهران من الشرفة ذاتها بعد أن فشلت ضغوطها على إيران على أكثر من مسار وفي عدة مواضع وهي الآن على أمل أن تكسب شيئا ما في جولات المباحثات القادمة.
لقد فشل التحالف بقيادة السعودية في تحقيق أهدافه  وهو ما عزًز من مكانة صنعاء وقيادتها التي نجحت في توسعة رقعة نفوذها يومًا تلو الآخر وقلب ميزان المعركة خلال الأعوام الأولى من العدوان على صعيد إعادة بناء القوات المسلحة واتخاذ قرار الإسراع في التوجه نحو إنتاج الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في بداية العدوان وهذا الأمر شكل دافعا لإنتاج أسلحة الردع الاستراتيجي الصواريخ الباليستية والمجنحة ودخول الطيران المسير على خط المعركة ومنظومات الدفاع الجوي والمنظومات البحرية وجميعها شكلت  نقلة نوعية في التحول من المعركة الدفاعية إلى المعركة  الهجومية إلى امتلاك زمام المبادرة لضرب العمق السعودي للرد على هجمات الغارات الجوية وأصبح أمن العمق السعودي بيد قوات صنعاء واحترقت آرامكو مرات وصار أمن مياه الخليج وممرات الطاقة وضمان تدفقها بيد اليمنيين.
وتبدو الخريطة السياسة المعقدة للوضعية الميدانية في اليمن سياسيًا وعسكريًا تذهب إلى أن مثل هذه المبادرات لن تجدي نفعًا على الأقل في الوقت الراهن في ظل استمرار الغارات الجوية والحصار الاقتصادي واعتبر رئيس الوفد المفاوض عن حكومة صنعاء منع التحالف السعودي دخول السفن النفطية والغذائية والطبية المرخصة أممياً إلى ميناء الحديدة إجراء تعسفيا مخالفا للقانون الدولي وانتهاكا لحق الشعب اليمني المشروع. وقال في تغريده على حسابه بموقع تويتر إن احتجاز التحالف للمشتقات النفطية عرض البحر قرصنة بحرية مكشوفة وإجرام لا مثيل له يفضح كل مدع للإنسانية ويعرقل كل نوايا السلام.
وفي تغريده سابقة اعتبر عدم الرغبة في فصل الملف الإنساني عن غيره من الملفات دلالة على عدم الجدية في التوصل لحل سلمي شامل وعادل وأكد على موقف صنعاء الثابت بعدم إخضاع الملف الانساني لأي مقايضة بالمطلق.
ولاشك بأن المناورات السياسية الأمريكية التي يمثلها المبعوثان الأممي والأمريكي تعطل مناخات التفاوض هذا إلى جانب أن الوضع في اليمن لم يعد شأنًا داخليًا بل تحول إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية مرتبطة بحزمة من الملفات والمصالح أكبر من جغرافية البلد لتظل الأطراف المتنازعة داخل هذا المشهد الضيق أدوات لتنفيذ تلك الحسابات ولا تملك قرار إنهائه فيما يظل الشعب اليمني وحده من يدفع الثمن.