اتفاقية  صنعاء - موسكو.. انذارًا موجهًا إلى المستعمرين  باحترام سيادة واستقلال اليمن

اتفاقية صنعاء - موسكو.. انذارًا موجهًا إلى المستعمرين باحترام سيادة واستقلال اليمن

في وضع سياسي واقتصادي معقد في الداخل والخارج وحصار بحري  خانق وغارات جوية وقصف للقرى والمدن اليمنية من قبل المستعمر الغازي وافقت حكومة موسكو على اقتراح حكومة صنعاء 

بإقامة العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين الدولتين.
وتعود أولى الاتصالات بين المسؤولين اليمنيين وممثلي الاتحاد السوفييتي إلى عام 1926م حيث تقابل مبعوث الإمام يحيى في العاصمة التركية انقرة القاضي احمد الانسي مع الممثلين السوفييت وارست لقاءات انقرة بداية العلاقات بين الاتحاد السوفييتي واليمن.

علي الشراعي
وفي صيف 1927م وجه أمير الحديدة محمد نيابة عن الإمام يحيى طلبا رسميا إلى الممثل السوفييتي بجدة اعرب فيها عن رغبة حكومة اليمن في التفاهم مع الشعوب الشرقية لا سيما التي تتميز بنمط التفكير التقدمي وتكافح الاضطهاد الامبريالي وجاء في الرسالة ان حكومة روسيا الموقرة تسهر على مصالح الشرق والامبرياليين يكافحون هذه الحكومة وينفقون اموالا ضخمة ليحولوا دون الشعوب الشرقية ودون نسيم الحرية . وتكسب هذه الحكومة عطف الشعوب المظلومة ويأمل اليمانيون كما كتب الأمير محمد في قيام علاقات طيبة بين الحكومتين . حاول المستعمر البريطاني ممارسة الضغط على الإمام يحيى ليحولوا دون توقيع اية اتفاقيات بين اليمن والاتحاد السوفييتي فاستأنفوا في 25 يونيو 1928م القصف الوحشي للمدن اليمنية ولكن رغم هذه المحاولات الرامية إلى اعاقة قيام العلاقات اليمنية -السوفيتية تم في 12 يوليو 1928م في صنعاء توقيع نص الاتفاقية السوفيتية  - اليمنية وقد اكد النص على الدعم السياسي من جانب موسكو لنضال الشعب اليمني في مكافحة العدوان البريطاني . وفي 14 يوليو بعث الإمام يحيى رسالة إلى (تشيتشيرين )  مفوض الشعب للشؤون الخارجية في الاتحاد السوفيتي اخبره فيها بارتياح بتوقيع  هذه الوثيقة التى ارست اساس الصداقة  بيننا وبين حكومتكم الموقرة واوضح الإمام السبب في توقيع نص الاتفاقية بالأحرف الأولى يحيى السبب في توقيع نص الاتفاقية أن الملابسات الراهنة في ظروف الضغط المتواصل من جانب بريطانيا عليه هي التي أهلت ذلك .

معاهدة صنعاء
في الأول من نوفمبر عام 1928م وقع ممثل الاتحاد السوفييتي (استاخوف )والقاضي محمد راغب القائم بأعمال وزير خارجية اليمن في العاصمة صنعاء النص النهائي للاتفاقية السوفيتية اليمنية . وكانت تلك أول اتفاقية توقع بين الاتحاد السوفييتي وبلد عربي واعترفت الاتفاقية بتكافؤ الطرفين في كل ما يتعلق بالحقوق والاحكام العامة القائمة بين البلدان والشعوب واعتراف الاتحاد السوفيتي بالاستقلال التام لحكومة  اليمن  , كما اشار الإمام يحيى إلى انه وحكومته يقدران المشاعر الطيبة التي يكنها اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية للدولة اليمنية وشعبها ولسائر شعوب الشرق . وفي 23 يناير 1929م ابرمت اللجنة التنفيذية المركزية للاتحاد السوفييتي الاتفاقية مع اليمن وفى 24 يونيو 1929م غدت الاتفاقية سارية المفعول بعد تبادل وثائق الابرام  . تتألف المعاهدة من مقدمة وخمس مواد  وخاتمة وتتضمن المقدمة إشارة إلى رغبة الطرفين في تأسيس المناسبات الرسمية الاعتيادية وفتح الصلات الاقتصادية بين بلديهما وترقيتها وبنائها على اساس الصدق في تنظيم العلاقات الودية بين الحكومتين  وشعوبهما والاعتراف بالتساوي بين الطرفين في كافة الحقوق وتنص المادة الأولى من المعاهدة على اعتراف حكومة اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية بالاستقلال الكامل والمطلق لليمن ولملكها فقد ايدت الدبلوماسية السوفيتية جهود اليمن في تعزيز استقلاله. ومع سريان مفعول الاتفاقية اليمنية -السوفيتية افتتح في صنعاء مستوصف سوفييتي للهلال الاحمر قدم فيه الاطباء السوفييت الخدمات الطبية للسكان بالمجان . وقد كانت هذه المعاهدة هي الأساس الذي قامت عليه العلاقات اليمنية -السوفييتية حتي انهيار الكيان السياسي للاتحاد السوفييتي في ديسمبر عام 1991م .

الصحف العالمية
ونظرا لما احدثته هذه المعاهدة من دوي كبير على مستوى العربي والدولي ولكونها كانت أول معاهدة يعقدها بلد عربي مع الاتحاد السوفييتي  حيث اثار توقيع الاتفاقية بين الاتحاد السوفيتي واليمن وابرامها اصداء واسعة ومتناقضة في مختلف البلدان فقد ردت الصحافة البريطانية على ذلك بحملة كبيرة على الاتحاد السوفيتي وحاولت ان تزور الوقائع والاحداث وتشوه القيمة الحقيقية للاتفاقية السوفيتية اليمنية وتزعزع ثقة العرب بالاتحاد السوفيتي فقد كتبت (التايمز)  اللندنية في 25 يناير 1929م تقول ( فى الآونة الاخيرة لم تكن العلاقات بين الإمام يحيى ومحمية عدن طيبة والذنب في ذلك يقع كما يبدو على العملاء الروس المتواجدين في العاصمة اليمنية صنعاء ) وبغية تشويه المساعدة السوفيتية إلى اليمن حاولت صحيفة التايمز أن تقنع قراءها بضآلة الاهمية التجارية والسياسية للمعاهدة اليمنية السوفيتية التى وقعت في صنعاء وظهرت في الصحف البريطانية مقالات تزعم بان الاتحاد السوفيتي لم يوقع الاتفاقية الا لكى يستخدم اليمن فى نشاطه الدعائي في الجزيرة العربية ومصر والهند وادعت تلك الصحف ان الروس مذنبون في ازدياد  التوتر فى العلاقات البريطانية – اليمنية آنذاك . فقد حاول البريطانيون بكل الوسائل ان يعيقوا تعزيز العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والعرب فخوفوا زعماء البلدان العربية بالخطر البلشفي وروجوا مختلف الدعايات المعادية للشيوعية واعاقوا تطور الصلات التجارية بين البلدان العربية والاتحاد السوفييتي في ثلاثينيات القرن المنصرم رغم ان تلك الصلات التجارية تعود اصولها إلى تجارة روسيا التي كانت منتعشة تماما مع بلدان الشرق الأدنى وشمال افريقيا في القرن التاسع عشر .
وكتبت جريدة (البرافدا ) السوفييتية عن الاتفاقية مع اليمن بانها حلقة اخرى في سلسلة اتفاقيات الصداقة التي تربط الاتحاد السوفيتي بالشرق الناهض . وهذه الاتفاقية قيمة بالنسبة لليمن خصوصا لان الاتحاد السوفيتي خلاف للدول الامبريالية الاستعمارية لا يتوخى ابة اغراض اغتصابية واية مهمات للتغلغل والنفوذ بالمنطقة العربية .
وحللت جريدة "شفق صرح" الايرانية في عددها الصادر في 21 فبراير 1929م اهمية الاتفاقية اليمنية -السوفيتية وكتبت ان هذه الاتفاقية (ستترك انطباعا كبيرا جدا في الدول التي يقطنها العرب , لأنه اذا كانت حرية اليمن ستضمن بنتيجة هذه الاتفاقية فان النير الاجنبي سيخف , وسيؤدى ذلك إلى جعل سائر الأمراء العرب يتوجهون صوب روسيا , وحتى اذا لم يفعلوا ذلك فان نير الدول الامبريالية في البلدان العربية المستعمرة سيقل بقدر ما ).
 من جانبه فان العرب  لم يصدقوا افتراءات الصحافة البريطانية فأغلبية الصحف العربية رغم الرقابة الموالية للإنجليز  التزمت بالرأى  القائل بأنه اذا كانت صنعاء قد التفتت في الآونة الاخيرة إلى موسكو فلاعتقادها بأن (البلاشفة الملحدين ) افضل من الدول التى تعتبر نفسها (حامية الاسلام ) .
وبمرور خمسين عاماً على توقيع الاتفاقية بين اليمن والاتحاد السوفييتي  اعادت صحيفة "البرافدا" إلى الأذهان في 31 اكتوبر 1978م منابع قيام العلاقات اليمنية السوفيتية  وكتبت تقول ( في تلك الفترة العصيبة بالنسبة للشعب اليمني عندما تعرض للعدوان الامبريالي وحاولت  السلطات البريطانية خنق البلاد في طوق الحصار الاقتصادى والسياسي اتسم  بأهمية كبيرة تأييد بلاد السوفييت التي اعلنت على رؤوس الاشهاد عن اعترافها التام الكامل باستقلال اليمن وساعد هذا التأييد على تدعيم اركان الدولة اليمنية ). واشار البعض إلى أن قوة جديدة ظهرت في الشرق وليس لديها اطماع امبريالية خلافا لبريطانيا وايطاليا  اللتين ارادتا ابتلاع اليمن وكانت تلك القوة تريد ان تمد يد الصداقة الخالصة وتقديم المساعدة النزيهة وتلك القوة الجديدة هي الاتحاد السوفييتي الدولة الاشتراكية الوحيدة الاولى في العالم .
موقف ايطاليا
وبالإضافة إلى ايطاليا حاولت ان تعيق تطور العلاقات اليمنية -السوفيتية لانهم وجدوا انفسهم انهم يفقدون مواقعهم في اليمن فحالما تلقى حاكم اريتريا الايطالى نبأ توقيع الاتفاقية اليمينة السوفييتية  احتج على الإمام يحيى واعلن ان هذه الاتفاقية  ( تتعارض واتفاقية الإمام مع ايطاليا ) . وفي 19 يناير 1929م اعلن القائم بالأعمال الايطالي في لندن لممثلى وزراء الخارجية (ان حكومته بودها لو تلفت انظار حكومة صاحب الجلالة إلى توقيع الاتفاقية التجارية بين الروس وإمام صنعاء ان هذا التطور الجديد سيخلق صعوبات أمام ايطاليا وبريطانيا  ولتفادى ذلك تقترح الحكومة الايطالية على الحكومة البريطانية ان تقلص او تكف نهائيا عن الضغط الحربى الذى تمارسه الآن على الإمام يحيى فيما يخص محمية عدن ) واعتبر تصريح الدبلوماسي الايطالى هذا دليل بليغا على اهمية الاتفاقية اليمنية- السوفييتية  وتأثيرها على سياسة الدول الاستعمارية  الذين اضطروا فيما بعد إلى التخلى عن الاشكال القديمة للسيطرة الاستعمارية  وبدأت ثورات التحرر لشعوب العربية من نير الاستعمار الغربي. وفي منتصف عام 1929م توقفت غارات الطائرات البريطانية على المدن اليمنية واستؤنفت المراسلات بين صنعاء و المحتل البريطاني . وبالمقارنة مع مساعدة ايطاليا التي تأكد اليمنيون من عدم نزاهتها ومصداقيتها وكان بوسع الإمام يحيى  يرى كيف تتطور بشكل مثمر العلاقات التجارية المتكافئة بين السعودية والاتحاد السوفييتي الذى كان أول بلد في العالم يعترف باستقلال دولة ابن سعود ففي 16 فبراير 1926م وقدم له دعما سياسيا ومعنويا كبيرا ومن ثم تبادل مفوض الشعب للشؤون الخارجية في الاتحاد السوفيتي تشيتشيرون  وابن سعود رسالتين اعربا فيهما عن رغبة الطرفين في تطوير العلاقات الثنائية . وفي صيف 926م عقد في مكة المؤتمر الاسلامي العام الذى دعا اليه ابن سعود لمناقشة قضايا الحج  ودعا لحضور هذا المؤتمر كذلك مسلمو الاتحاد السوفييتي الذين مثلهم وفد الادارة الدينية المركزية في اوفا . وترأس الوفد السوفييتي المفتى  فخر الدينوف الذي انتخب نائبا اول لرئيس مؤتمر مكة . وقد ساعدت مشاركة مسلمي الاتحاد السوفييتي في المؤتمر بدرجة كبيرة على نجاحه . كما ساعدت في الوقت ذاته على اخفاق مؤتمر آخر حاول ان يعقده في القاهرة علماء الدين المصريون بتشجيع من بريطانيا ليواجه مؤتمر مكة !.   وأمام ذلك التقارب السوفيتي مع ابن سعود والاعتراف بدولته  قامت بريطانيا في اواخر عام 1926 بالاعتراف رسميا باستقلال ابن سعود في نجد والحجاز  بعد ان حاولت بشتى الطرق وضع العراقيل بين التقارب السوفييتي مع الشعوب العربية .

كسر الحصار
ورغم تلك الحملات الإعلامية للمستعمر البريطاني ضد معاهدة اليمن والسوفييت  اخذت تتطور علاقات تجارية منتعشة بين الاتحاد السوفيتي واليمن ففي خلال عامي (1928-1929م ) استوردت اليمن من الاتحاد السوفييتي 50% من الكيروسين
و 6% من الصابون و 35% من السكر مما استوردته عموما .وكذلك كميات كبيرة من الاخشاب والدقيق والبضائع الاخرى, واخذ يصدر المكائن والتجهيزات المخصصة للنهوض بالزراعة في اليمن,  وكان وصول باخرة الاسطول التجاري السوفييتي إلى الحديدة في مايو 1928م قد ارسى بداية العلاقات التجارية بين الاتحاد السوفييتي واليمن وحظيت السلع السوفيتية برواج كبير واعربت اوساط  يمنية عن رغبتها في اضفاء طابع منتظم على العلاقات التجارية بين البلدين. فقد اشارت رسالة استلمتها غرفة التجارة السوفييتية من الأمير محمد بن الأمام يحيى حاكم مدينة الحديدة آنذاك إلى انه سيبذل قصارى جهده لتهيئة الظروف الملائمة للمتاجرة مع الاتحاد السوفييتي وذلك نظرا لرغبة السكان في شراء البضائع السوفييتية  . وكان وصول البعثة التجارية السوفييتية إلى الحديدة في وقت حرج حيث هددت الطائرات البريطانية بقصف المدن والقرى اليمنية من جديد . وفي رسالة للإمام يحيى بتاريخ 8 مايو 1928م اعرب تشيتشيرين عن افضل  التمنيات والمزيد من الازدهار للمملكة اليمنية وتعزيز علاقاتها الودية مع الشعوب الشرقية الأخرى.
فيما اورد الدكتور محمد الشهاري في كتابه "طريق الثورة اليمنية"  لقد تكللت العلاقات التي بدأت بين اليمن والاتحاد السوفييتي منذ عام 1926م عن طريق البعثة السوفييتية التي كانت موجودة آنذاك في جدة بتوقيع معاهدة الصداقة والتجارة في مطلع نوفمبر عام 1928م وفي صنعاء استقرت بعثة تجارية سوفييتية وبدأت البواخر السوفييتية تحمل إلى الحديدة البترول وبضائع أخري زراعية وصناعية بأثمان زهيدة عرضت في طول البلاد وعرضها واستقرت الاسعار التي كانت قد ارتفعت عاليا وتحرر السوق اليمني من الاحتكار الايطالى وتحررت البلاد من ضغطه الاقتصادي , وكسر احتكار ايطاليا للتجارة الداخلية والخارجية . وايد الاتحاد السوفييتي استقلال وسيادة الدولة اليمنية وأظهر عطفه على حق الشعب اليمني في الوحدة . وفي الوقت الذي فوت فيه المعاهدة اليمنية – السوفييتية موقف اليمن وساعدتها على التخلص من عملية التطويق الاستعمارية الفاشية فانها كانت انذارا موجها إلى عنوان المستعمرين والفاشيين  باحترام سيادة واستقلال اليمن . وكما مزقت هذه المعاهدة الحصار الاقتصادى  والسياسي الذى كان غلاه الاستعمار (بريطانيا ) والفاشية ( ايطاليا ) قد ضربوه من حول اليمن فأنها ثبتت في نفس الوقت مكانة اليمن الاقتصادية والدولية . فلقد كان لإبرام المعاهدة أهمية سياسية عظيمة بالنسبة لليمن إذ نهضت الدبلوماسية السوفييتية لدعم الشعب اليمني في نضاله العادل من اجل الاستقلال والاسترقاق الامبريالي إلى جانب اهميتها الاقتصادية  . وساعدت على تعميق السيادة الوطنية لليمن ومن الناحية الاقتصادية اختراق الحصار المفروض من قبل بريطانيا على اليمن كما اعتبر من الاجراءات العامة لتخفيف حدة الأوضاع الاقتصادية داخل البلاد .