أمريكا والعرب ووعي الحرية

أمريكا والعرب ووعي الحرية

ثمة صراع اليوم يغتلي في الوجدان الجمعي العربي وهو إما ظاهر أو خفي, فالظاهر نشهد صراعه وحروبه منذ أمد غير بعيد وما يزال, والخفي يبعث بين الفينة والاخرى إشاراته ورموزه,

هذا الصراع في جوهره ينشد واقعاً جديداً يتجاوز عثرات الماضي ويلبي طموحات الحاضر,ويكون تعبيرا عن الزمن الجديد الذي نعيش, فالإصلاحات أصبحت ضرورة حتمية لا يمكن تجاوزها, أما النسج على منوال الماضي فهو تكرار قد يديم أمد الصراع العربي ولا يعمل على تنمية حالة الاستقرار.
وما حدث في عام 2011م من حركة ثورية حاول المجتمع العربي من خلالها التنفس والإعلان عن وجوده لم تحمل الأمل المنشود لأنها جاءت من فراغ فكري وذهبت الى التيه, ولم يكن تيهأ واعياً ولكنه أصبح حالة تشبه الضياع في كثير من البلدان العربية, فالبلدان التي مازالت تشهد استقراراً خرجت لتعبر عن ضيقها كما شهدنا ذلك في السودان, والبلدان التي نالها من الترف الشيء اليسير كدول الخليج والسعودية خرجت نماذج منها لتعلن عن ضيقها وتذمرها من واقعها, وها هي بعض النماذج تذهب الى الغرب بضجيج اعلامي ملفت للنظر كما في حال بعض الفتيات والفتيان الذين يطالبون باللجوء السياسي أو الإنساني, وغالب أولئك من دول الخليج ومن السعودية.
دلت حالة الغليان في البلدان العربية أن القوة الناعمة سوف تستمر في نشدان مستقبلها ومناغاته في كل حال وفي كل ظرف, كما دلت أن المركزية والتفرد والدم والاقصاء يفضي الى دائرة مغلقة يفترض أن يتم تجاوز محطاتها, فالذي يتكرر في الوجدان لا يخرج من النتيجة نفسها التي آل اليها الواقع العربي في سالف أيامه.
إذن نحن أمام واقع جديد لا يمكن ترويضه بعد أن أعلن عن نفسه, ولابد من التعامل معه وفق أسس ومبادئ جديدة تضمن وجود الكل,ورفاه الكل,ومشاركة الكل,ومسؤولية الكل, ومثل ذلك لا يمكنه التحقق دون ثورة ثقافية حقيقية تعيد للألفاظ براءتها وللمعاني عذريتها, بعد كل هذا الظلام, وكل ذلك التعويم لمفاهيم الوطنية والهوية, والسيادة, والحرية, والاستقلال, فقد كان هدم النظام العام والطبيعي في المجتمعات العربية التي اجتاحتها ثورات الربيع هي التمهيد الحقيقي للوصول الى الغايات والمقاصد التي رسمتها إستراتيجية راند لعام 2007م, ومنها السيطرة على مصادر الطاقة من أجل إخضاع الحكومات, والسيطرة على منافذ الغذاء من أجل إخضاع الشعوب, وقد تحقق ذلك في الكثير من البلدان, تحققت تلك الغايات في العراق, وتحققت في اليمن, وفي ليبيا, وهي أكثر تحققا في دول الخليج العربي التي في سبيل وهم الاصلاحات سعت الى بيع أسهم الشركات النفطية, مثل شركة أرامكو بالسعودية التي باعت الكثير من أسهمها لصالح شركات عالمية, ودول الخليج أكثر الدول العربية خضوعا للبيت الأبيض كما هو شائع, وليس بخاف أن صراع الاسر المالكة في تلك الدول تفصل فيه أمريكا وجهازها الاستخباري كما حدث في موضوع محمد ابن نايف ومحمد ابن سلمان في السعودية مثلا, وهو أمر ليس ببعيد عن الذاكرة, فخضوع ابن نايف لقرار إقالته من ولاية العهد لم يكن بالأمر الهين ولا العابر بل كان أمرا عصيا استخدمت فيه امريكا العصا الغليظة لترويض المرحلة لما تريد, وقد حدث ما كانت ترسمه في مخيلتها, وتحقق لها القدر الكافي من الاستقرار الاقتصادي بعد سنوات من الحديث عن الازمات الاقتصادية التي كان العالم يتحدث عنها في أمريكا.
نجحت أمريكا في تنشيط سوق السلاح من خلال صناعة الحروب في المنطقة العربية ووجدت في غباء ابن سلمان مساحة واسعة من السريالية السياسية كي تتحرك فيها فخاض حروبا مباشرة وغير مباشرة وكان عدوانه على اليمن بمثابة القشة التي سوف تقصم ظهره في قابل الايام والاعوام.
ولذلك فالعرب اليوم أمام مفترق طرق إما الخضوع أو صناعة واقع جديد يكون مؤثرا في السياسة الدولية, ومثل ذلك لن يتحقق الا من خلال قيادة عربية تحمل مشروعا نهضويا يسير بخطى ثابتة نحو المستقبل بعدد من الإجراءات الإصلاحية التي تكون تعبيرا عن المستوى الحضاري الجديد الذي وصل اليه العالم المتحرك والمتجدد من حولنا.
فالعرب لم يصلوا الى هذا الشتات الذي وصلوا اليه اليوم, الا بعد القضاء على حركات الفكر المتجدد من خلال الاجتياح,أو الاغتيالات, أو التغييب, أو التهميش, أومن خلال القضاء على حركات التحرر التي تتم بواسطة الحروب التي يشنها عدوهم ضدهم, أو من خلال زعزعة المجتمعات بالحركات الإرهابية, ولن يستعيدوا ألقهم ومجدهم إلا من خلال عودة الاهتمام بحركة الفكر والتجديد والتحديث في المنظومة الثقافية, وفي مؤسسات التكاثر الثقافي, فالفكرة الجديدة هي أساس النهضة وأساس التأثير في السياسات الدولية عن طريق القوة الناعمة التي تجبر الآخر على التعامل معها بقدر من توازن المصالح.  
لقد بدأت اليوم حركة توازنات جديدة, وبدأ العالم يتحدث عنها, وبدأت مرحلة جديدة ترسم نفسها في مسار الأحداث, واستطاعت إيران أن تفرض نفسها كدولة عظيمة وعميقة, في حين فشل خصومها في منطقة الخليج وفي العالم.
ليس من الحكمة أن تستقطب الدول من خلال الأموال كما تفعل السعودية ولكن من الحكمة كيف تبني نفسك؟ وكيف تكون مؤثرا وفاعلا في صياغة ورسم سياسة هذا العالم؟ وقد نجحت إيران في ذلك وفشل عربان الخليج الذين وضعهم المستعمر كحراس على آبار النفط وظلوا تحت رايته دون رغبة منهم في التمرد والثورة, ذلك أن سجايا العبيد في أنفسهم أغلب على الطباع من سجايا السادة الأحرار, وقد كان الاختيار لهم من فئات قطاع الطرق ومن قراصنة البحر مدروسا بعناية, فما من حاكم في دول الخليج إلا وتجد في تاريخه الأسري صعلوكاً قطع طريقاً أو قرصاناً ولابد من دراسة الحال حتى نتغلب على العثرات.
فالإسلام لم يكن إلا ثورة حقيقية وعميقة جاءت لتحدث تغييراً في البناءات النمطية سواء منها الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وعليه أن يظل كذلك, فقد أحدث تبدلاً في قيم المجتمع وأخرجه من نمطية العهد والمعهود في الحياة الى رحابة الفكرة ليكسر جامداً أخذ حكم العادة والعبادة حتى يتمكن من التأسيس لحياة أكثر تفاعلا مع المستويات الحضارية لعموم البشر مع وجود الضابط الاخلاقي الذي كان جوهر الدعوة الإسلامية.