خمسة ملايين دولار من أجل
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
يمكن للمرء أن يغتبط عندما يسمع أجنبياً يتحدث بالعربية على الرغم من الأخطاء التي يرتكبها كتذكير المؤنث وتأنيث المذكر ونصب الفاعل ورفع المفعول به أو حتى لفظ بعض الأحرف العربية بغير أصواتها وإمالة بعضها الآخر إلى حد تغيير طبيعة الحرف والجملة.
مصدرالغبطة أن لغتنا المنتشرة طرداً على السنة الأجانب تبرهن من خلالهم أنها جديرة بالنطق أي بالحياة فاللغة تعيش وتبقى عندما نستخدمها ويستخدمها غيرنا وتموت عندما يكف أهلها عن الحديث بها لهذا السبب أو ذاك.وهنا استدراك سريع.
يزعم كثيرون أن اللغة العربية لن تموت ولن تتراجع لأنها لغة القرآن وبالتالي فهي مقدسة ولا تحتاج إلى حماية خاصة وفي ظني أن هذا لا يكفي بحد ذاته بل يجانب الحقيقة والسبب أن في العالم أكثر من مليار مسلم يقدسون القرآن لكنهم لا يتحدثون العربية كلهم ناهيك عن أن الآرامية لغة الإنجيل هي الأخرى مقدسة لكنها ميتة على الرغم من وجود المسيحيين في كل مكان.
والملاحظ إقبال الأجانب أكثر فأكثرعلى تعلم العربية بغض النظرعن دوافعهم وهي ليست كلها شريفة أوثقافية شأن المستعربين في وزارة الخارجية الأمريكية ووزارات الخارجية في الغرب عموماً والعربية تنتشر أيضاً عبرالإذاعات ووسائل الإعلام الممولة أجنبياً والتي تبث نحو العالم العربي بلغة أهله للتحكم بطريقة تفكيرهم وحصر مصادر معلوماتهم بالجهات التي تشرف على تلك الوسائل فيصبح الخبر صحيحا إذا صدرعن إذاعة أجنبية ناطقة بالعربية وخاطئا إذا صدرعن إذاعة تبث من أرض العرب بواسطة العرب وأموالهم. بهذه الطريقة يمكن فرض كذبة أسلحة الدمار الشامل على العراق وشن الحرب عليه حتى لو نفت وسائل إعلامه ووسائل الإعلام العربية وجود هذه الأسلحة جملة وتفصيلا.
لا يخفف ذلك من الغبطة لدى سماع أجنبي ينطق لغة الضاد ومن بين الأجانب الذين يتحدثون العربية عبر قنواتنا الفضائية السيد فرنانديس أحد الناطقين باسم الإدارة الأمريكية وقد تولى مؤخرا الحديث باللغة العربية عن حرية التعبير عندنا ودافع عن قرار أمريكي بصرف خمسة ملايين دولار لتشجيعها في بلداننا وهو يلفظ عبارة "حرية التعبير" بـ" هرية التابير" ويقول أنه حريص على الرأي العام العربي أكثر من الدول العربية وأن بلاده تحب العرب أكثر من ضحايا الأعاصير الأمريكية لذا تمنحهم قبضة من الدولارات لتحسين "التابير" في بلادهم ولنشر " الهرية" في أرجائها.
 تتوقف الغبطة عند هذا الحد ويبدأ التساؤل عن هذه المبادرة الطريفة والمهينة في الآن معاً وعلامات التساؤل تبدأ من المفارقات التالية:
أولا: تضم المنطقة العربية حوالى 300 مليون نسمة وتعتقد الولايات المتحدة بثقة مذهلة أن مئات ملايين العرب سيعبرون بـ"هرية" لقاء قبضة من الدولارات الأمريكية.
ثانياً:إن كلفة صحيفة واحدة متوسطة الحجم في بيروت هي ستة ملايين دولار في السنة. تصل هذه الصحيفة إلى اقل من سبعة آلاف قاريء عربي ما يعني أن الملايين الأمريكية الخمسة ستؤدي في أحسن الحالات إلى إطلاق السنة بضعة آلاف من العرب هذا إذا نجح المعنيون بصناعتها جيدا أما إذا كان الأمر يتصل بإذاعة أو محطة فضائية فان الملايين الخمسة لا تغطي في هذه إلا جزءاً يسيراً من التكاليف وبالتالي لا تكفي لإطلاق ألسنة الفراشين عمال الخدمات.
ثالثاً: يمكن افتتاح محطة أو إصدار جريدة بخمسة ملايين دولار وبفريق محدود إذا ما كان المطلوب التمجيد بالمارينز وإسرائيل ومطاعم المكادونالدز لكن هذا لا يبدو انه يتطابق مع كلام السيد فرنانديز الذي يطمح إلى عالم عربي ناطق بطريقة يحبها الأمريكيون ويعتقدون أنها مفيدة للعرب الذين ينظرون إلى العناوين المذكورة بوصفها أم المصائب.
رابعاً:كنا نعتقد أن نشر " الهرية " عبر إذاعة" سوا" وصوت أمريكا ومحطة "الحرة" لم يكن موفقاً وأن الإدارة الأمريكية صرفت النظرعن هذه الوسائل في تلقيم العرب وتسوية عقولهم بما يتلاءم مع مصالح العم السام، فما الذي جرى حتى تعود واشنطن إلى المعزوفة الفاشلة نفسها؟
خامساً: لم يقل السيد فرنانديس لمن سيعطي الملايين الخمسة وكيف ستصرف وأين؟ الأمر الذي يلقي ظلالاً من الشك حول طريقة صرفها وبالتالي يفتح باب الفرضيات والشكوك بل يعيد الاعتبار لنظرية المؤامرة التي ينتقدها بكثرة الأمريكيون هذه الأيام متجاهلين مؤامرة طازجة صنعوها للتو في العراق حيث كذبوا في حديثهم عن دوافع الحرب وهم يقسمون اليوم يميناً كاذبة أخرى مفادها أنهم يحتلون العراق من أجل فرض الديموقراطية وحرية التعبير وغيرها من الخزعبلات.
سادساً:إذا كانت واشنطن تريد فعلاً حرية التعبير في العالم العربي فهذا يفترض قدراً عالياً من الشفافية وبالتالي امتلاك الجرأة على القول أن الملايين الأمريكية ستصرف لصالح هذه أو تلك من وسائل الإعلام العربية وإذ يتحفظون عن ذكرأوجه الصرف فهذا يعني أنهم يخشون على عملائهم في الوسط الإعلامي العربي من العزلة والصد وفي هذه الحالة يصبح الأمر أشبه بالرشوة واستدراج العملاء وباعة النصوص أيٍ ما يعرف بلغة الصحافة بـ"أقلام العبيد" وهؤلاء لا يمكن إلا أن ينتجوا نصوصا حرة بل مقيدة بالإملاءات الأمريكية وبالتالي من الصعب أن يساهموا في نشر الحرية في ارض العرب.
إن الفرضية الأقرب إلى الواقع هي أن الملايين الأمريكيةالخمسة ستكون موجهة لأصدقاء واشنطن العرب ممن يعانون ضائقة مالية وبالتالي ستساهم فعلا في " هرية التابير " في أوساطهم أما حرية التعبير الحقيقية فهي تكون عربية وبأموال عربية ومن اجل العرب أو لا تكون...يبقى أن نقول للسيد فرنانديس بلهجة عربية يفهمها: شوكرن جازيلا اترك هذا الملاييين في بلدك لعلاج إعصار كاترينا أو ما شابح.

في الخميس 09 مارس - آذار 2006 07:46:05 ص

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.org/articles.php?id=416