عرب الألفية الثالثة:أمريكا ـ أوروبا تفاهم على ملفات العرب وخلاف على الباقي
كاتب/فيصل جلول
كاتب/فيصل جلول
(ما دامت لدينا قيم واحدة وأهداف واحدة لماذا لا نعمل معا من اجل تحقيق هذه الأهداف بدلا من التنازع حولها). بهذه العبارة خاطب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأوروبيين قبل زيارته للقارة العجوز خلال الأيام القليلة الماضية.من جانبه قال المستشار الألماني غيرهارد شرودر إن العلاقات الأمريكية-الأوروبية لا يمكن أن تبنى على الحلف الأطلسي وحده وأنها تحتاج إلى قواعد جديدة تأخذ بعين الاعتبار تبلور الاتحاد الأوروبي بوصفه كتلة دولية متزايدة الأهمية والدور على الصعيد العالمي.و يتسق الكلام الألماني مع كلام فرنسي أكثر صراحة حيث يعتبر الفرنسيون أن أوروبا الموحدة لا يمكن أن تبنى وتتحدد هويتها بوضوح ويكتمل دورها إلا بالقياس إلى القوة الأكبر في العالم وليس بالاندماج في هذه القوة. وعلى الرغم من انضوائها في الاتحاد الأوروبي ودورها المؤثر فيه فان بريطانيا ما زالت تسعى للجمع بين الحليفين الأطلسيين وتعتبر أن الإخلاص للطرفين يزيدها قوة وأهمية وان اندماجها في قوة دون الأخرى من شأنه أن يضعفها.
لم تغير جولة الرئيس الأمريكي الأوروبية الشيء الكثير في جوهر هذه المعادلة. ما تغير يتصل ببعض الجوانب المهمة في العلاقات بين ضفتي الأطلسي وليس في جوهرها وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في مقاربة الملفات التي تم الاتفاق على العمل الموحد فيها والملفات التي مازالت تعتريها خلافات كبيرة في وجهات النظر وفي طرق المعالجة.
الملف الأبرز في علاقات الطرفين هو بلا شك الملف العراقي الساخن الذي تسبب كما هو معروف في جدل أوروبي ـ أمريكي علني وساخن قبل الحرب على العراق وفي شهورها الأولى.لكن منذ بعض الوقت قرر أوروبيو جبهة الرفض أن عليهم مساعدة أمريكا في النجاح في العراق وان أياً من الطرفين لا مصلحة له في دوام الخلاف حول هذا الملف. هكذا تمخضت الجولة ليس فقط عن كلام مشترك وموحد في التعاطي مع الملف العراقي وإنما أيضا عن مساهمة أوروبية رمزية لكنها مهمة معنويا وتقضي بإرسال بعثة أوروبية صغيرة إلى العراق تستقبل حوالى ألف عراقي ومن ثم إبتعاثهم إلى عدد من دول الاتحاد من اجل تأهيلهم في مجالات القضاء والجمارك وحراسة السجون.وهذه الخطوة هي الأولى التي يتخذها الاتحاد الأوروبي بطريقة موحدة منذ احتلال العراق وتحمل معنى رمزيا في غاية الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية أضف إلى ذلك أن الطرفين اتفقا على عقد مؤتمر دولي حول العراق ناهيك عن الدور الذي يلعبه الحلف الأطلسي عبر دوله المختلفة في تدريب وتأهيل عراقيي الحكومة المؤقتة التي تعمل مع الأمريكيين.
في الملف الفلسطيني- الإسرائيلي يبدو أن اللغة المتقاربة إلى حد كبير بين الطرفين ناجمة عن تطورات تشهدها فلسطين بإيقاع متسارع منذ وفاة الرئيس ياسر عرفات.والراجح أن واشنطن باتت مقتنعة بان إيجاد حل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي من شانه أن يسهل مهمتها في العراق وليس العكس. ما يعني أنها أصبحت على نفس الموجة الأوروبية الأمر الذي سيؤدي إلى عمل مشترك ومتواصل بين الطرفين اقله على المدى القصير والمتوسط من اجل إنجاح الانسحاب الإسرائيلي من غزة و مساعدة الفلسطينيين في إعادة تأهيل بنى مناطقهم التحتية وإ ستئناف العمل في خارطة الطريق والتخلي عن أحادية التعاطي الأمريكي في هذا الملف.
في الملف اللبناني يعمل الطرفان وبصورة خاصة فرنسا من الجهة الأوروبية في إطار قرار مجلس الأمن 1559 مع فارق ملحوظ في الرهانات ففي حين ترغب فرنسا في الانسحاب السوري من لبنان
وبالتالي استعادة نفوذها التقليدي في هذا البلد تراهن الولايات المتحدة على تغيير جيوسياسي في المنطقة تندرج فيه سوريا وتضطلع بدور متناسب مع الرسم الأمريكي بغض النظر عن طبيعة علاقاتها بلبنان طالما أن تطبيق القرار الأممي المذكور من شأنه أن يخفف عن إسرائيل عبء حزب الله والمخيمات الفلسطينية المسلحة وربما توطين اللاجئين الفلسطينيين إذا ما جرت الرياح بما تشتهي السفن الأمريكية الإسرائيلية.
في الملف الإيراني يبدو أن واشنطن باتت اقرب إلى لغة الأوروبيين في التعاطي مع إيران وأنها اقل اندفاعا للتعامل العسكري مع هذا الملف وتفسير ذلك ربما لا يكمن في ضرورة التنازل للأوروبيين وإنما في الصعوبات التي تواجهها قوات الاحتلال في العراق وعدم قدرة واشنطن على فتح جبهة عسكرية جديدة .
تبقى الملفات التي تسودها خلافات شاسعة ومن بينها ملف إلغاء الحظر الأوروبي على تزويد الصين بالأسلحة وفي هذا المجال تخشى أمريكا من أن يؤدي ذلك إلى الإخلال بالتوازن العسكري بين الصين وتايوان لكن الأوروبيين لا ينظرون إلى المسألة من العين نفسها. وهناك أيضا خلافات شاسعة حول اتفاقية (كيوتو) فقد سمع الأوروبيون كلاما جميلا من بوش لكنهم ينتظرون انضماما أمريكيا صريحا لهذه الاتفاقية والعمل على هديها.
أضف إلى ذلك محكمة الجزاء الدولية التي تعارضها واشنطن وتبرم اتفاقات مع دول العالم بحيث لا يسلم أمريكي واحد لهذه المحكمة بأية تهمة من التهم. ولعل الخلاف الأكبر سيدور حتى أمد بعيد حول الخلاف الجوهري بين أمريكا والاتحاد الأوروبي لجهة تحديد دور كل منهما على الصعيد العالمي فأمريكا ترى أن الحلف الأطلسي الذي تسيطر عليه هو القاعدة الصالحة والناظمة لعلاقات الطرفين فيما يرى الاتحاد انه يحتاج إلى سياسة دفاعية فعالة تمكنه من لعب دور قطب مستقل وفاعل في الشؤون الدولية.
مقارنة بالعلاقات المتوترة التي كانت سائدة بين الطرفين العام الماضي تبدو العلاقات الأوروبية -الأمريكية بعد جولة بوش الأخيرة وكأنها تكتب على صفحة جديدة وهذا صحيح في الملفات التي اشرنا إليها للتو أما في الملفات الأخرى فما زالت هذه العلاقات تكتب على الصفحة القديمة نفسها ما يعني أن أوان الحديث عن منعطف جذري في العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين لم يحن بعد. بالانتظار الذي قد يطول بعض الوقت يبدو أن الأوروبيين والأمريكيين يتفقون على قضايا العرب ويختلفون على ما كل ما عداها وهذا لا يستدعي أبداً التصفيق الحار في بلاد العرب والمسلمين.

في الخميس 24 فبراير-شباط 2005 10:05:51 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sep.org
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sep.org/articles.php?id=126